أصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) تقييمًا حرجًا وشاملاً للأوضاع السياسية وحقوق الإنسان والاجتماعية والاقتصادية في المغرب، مقدمة صورة مقلقة عن واقع المملكة. جاء هذا التقييم في البيان الختامي لدورتها الخامسة، التي عُقدت في العاصمة الرباط منتصف شهر يوليو، حيث جمعت الجمعية خلاصة ملاحظاتها وتحليلاتها حول التحديات الراهنة. ترى الجمعية أن المملكة تشهد تدهورًا مستمرًا ومقلقًا في الحقوق والحريات الأساسية، مؤكدة على أن هذا الانحدار يشمل مختلف الجوانب الحياتية للمواطنين، من الحريات الفردية والعامة إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وتخلص الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى أن هذه المؤشرات المتعددة والمتشابكة تعكس تدهورًا متواصلاً لوضع حقوق الإنسان في المغرب بشكل عام، مما يستدعي تدخلاً جادًا ومراجعة عميقة للسياسات المتبعة.
تضييق الخناق على الحريات العامة والنشطاء وتزايد الممارسات القمعية
أشارت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى ما وصفته بـ"هجوم المخزن" على الحريات العامة، وذلك من خلال اعتماد مقاربات أمنية وقمعية متزايدة، تستهدف بشكل مباشر النشاط المدني والحقوقي. وأوضحت الجمعية أن السلطات تستخدم القضاء كأداة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين في المغرب، في محاولة لكبح جماح الأصوات المعارضة أو المنتقدة. هذا الاستخدام للقضاء يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية السلطة القضائية ودورها في حماية الحريات.
في سياق متصل، ذكرت الجمعية أن القيود على المجتمع المدني مستمرة ومتزايدة، حيث تمنع السلطات العديد من الجمعيات المستقلة من ممارسة أنشطتها بشكل طبيعي، بما في ذلك الحصول على التراخيص القانونية الضرورية أو تنظيم الفعاليات. كما أفادت الجمعية بأن المئات من الشباب والقاصرين اعتقلوا خلال الاحتجاجات المتفرقة التي شهدتها البلاد، وما يزال العشرات منهم رهن الاعتقال دون محاكمة، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لحقهم في محاكمة عادلة وسريعة.
وانتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التأخر المستمر في الكشف عن مصير المختفين قسريًا خلال ما يُعرف بـ"سنوات الرصاص"، وهي فترة تاريخية شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وشددت الجمعية على ضرورة إنهاء هذا الملف المؤلم وتقديم إجابات واضحة وشفافة لعائلات الضحايا، مؤكدة على أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تكتمل دون معالجة هذا الجانب. وتأتي هذه الملاحظات في إطار تقييمها الشامل للأوضاع في المملكة، الذي يربط بين الانتهاكات التاريخية والممارسات الحالية.
تفاقم الأزمات الاقتصادية وارتفاع الديون على حساب القطاعات الاجتماعية
حذرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من تزايد الدين العام بشكل ينذر بالخطر، مشيرة إلى أن دين الخزينة العامة يقترب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع يثير القلق بشأن الاستدامة المالية للدولة. وأفادت الجمعية بأن هذا الدين تجاوز 1124 مليار درهم، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الأجيال الحالية والمستقبلية. ربطت الجمعية هذا الارتفاع الصارخ في الدين بتمويل استثمارات كبرى في البنية التحتية، استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، وذلك على حساب القطاعات الاجتماعية الأساسية التي تخدم المواطنين بشكل مباشر، مثل الصحة والتعليم.
وذكرت الجمعية أن الأولويات الاقتصادية للدولة لا تلبي التطلعات الاجتماعية للمواطنين، مما يخلق فجوة متزايدة بين السياسات الحكومية واحتياجات الشعب. وأشارت إلى استمرار معدلات البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني كدليل واضح على هذا التباين والقصور في السياسات الاقتصادية. كما سجلت الجمعية موجة مستمرة من الزيادات في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء والمحروقات، مما يزيد العبء المالي على الأسر المغربية، ويدفع بشرائح واسعة من المجتمع نحو الفقر والعوز. هذا الوضع الاقتصادي المتدهور يؤثر بشكل مباشر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، ويحد من قدرتهم على العيش بكرامة.
تدهور الخدمات الأساسية وتزايد المخاطر الاجتماعية
قدمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) صورة مقلقة لنظام الصحة العمومية، متهمة السلطات بالفشل الذريع في توفير الخدمات الكافية والجودة للمواطنين، خاصة في المناطق النائية والفقيرة. وأشارت الجمعية إلى تدهور هذا القطاع الحيوي الذي يعتبر حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، مما يعكس قصورًا واضحًا في الاستجابة للاحتياجات الصحية للسكان، ويؤدي إلى معاناة كبيرة للمرضى.
كما سلطت الجمعية الضوء على الظروف المأساوية التي يعيشها المرضى النفسيون في المغرب، مرجعة ذلك إلى النقص الحاد في المستشفيات المتخصصة والرعاية الملائمة، بالإضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي تحيط بهذه الفئة. وأفادت الجمعية بأن هذا النقص يؤدي إلى تدهور أوضاعهم الصحية والنفسية، ويجعلهم عرضة للإهمال والعنف، مما يتطلب استراتيجية وطنية شاملة لتحسين أوضاعهم.
وعبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء ازدياد حالات قتل النساء (femicides)، والاغتصاب، والاستغلال الجنسي في المملكة، وهي ظواهر تعكس تفاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي. واعتبرت الجمعية هذه الظواهر مؤشرات خطيرة على تفاقم المخاطر الاجتماعية التي تواجه الفئات المستضعفة، خاصة النساء والأطفال، وتتطلب تدابير حازمة لحمايتهم ومحاسبة الجناة.
وأعربت AMDH أيضًا عن قلقها الشديد من تزايد أعداد الشباب المغربي الذين يلقون حتفهم أو يختفون أثناء محاولات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، في رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر أو الصحراء. وتؤكد الجمعية أن هذه الظاهرة المأساوية تتطلب معالجة شاملة لأسبابها الجذرية، بما في ذلك البطالة واليأس وغياب الأفق، بدلاً من التركيز على المقاربات الأمنية فقط.
دعوات لمراجعة السياسات وتصحيح المسار من أجل العدالة الاجتماعية والبيئية
اتهمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) أنشطة المحاجر والتعدين، التي غالبًا ما تتم دون رقابة كافية، بالتسبب في أضرار بيئية واسعة النطاق، شملت استنزاف موارد المياه وتلوثها، وتدمير النظم البيئية الهشة. وأشارت الجمعية إلى أن هذه الأنشطة تؤثر سلباً على البيئة والموارد الطبيعية في المملكة، وتهدد سبل عيش المجتمعات المحلية التي تعتمد على هذه الموارد.
وفي ختام تقييمها، دعت الجمعية السلطات إلى مراجعة سياساتها بشكل شامل وعميق، مؤكدة على ضرورة إعطاء الأولوية القصوى للقطاعات الاجتماعية الأساسية التي تلامس حياة المواطنين اليومية. وشملت هذه الدعوة التركيز على الصحة والتعليم والتشغيل، بالإضافة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة للمواطنين، وضمان تكافؤ الفرص وحماية الفئات الهشة. ترى الجمعية أن هذه المراجعة حيوية وضرورية لتصحيح المسار الحالي الذي وصفته بالمتدهور، وتلبية تطلعات السكان نحو حياة كريمة ومستقبل أفضل، قائم على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.