تتحدث هذه المقالة عن رحيل قامة علمية ودينية بارزة، هو سي الحاج محند طيب، الذي وافته المنية قبل يوم واحد من مراسم جنازته المهيبة. صدرت هذه المادة بتاريخ 7 يونيو 2026، لتسلط الضوء على مسيرة حياة الراحل الحافلة بالعطاء والإنجازات، وإسهاماته البارزة التي تركت بصمة خالدة، لا سيما في مجال ترجمة معاني القرآن الكريم. يمثل رحيله خسارة كبيرة للأمة الإسلامية، وخصوصاً للمتحدثين باللغة الأمازيغية، الذين فتح لهم آفاقاً جديدة لفهم كتاب الله.
نشأة العالم وإسهاماته المبكرة
ولد سي الحاج محند طيب عام 1934، لتبدأ بذلك رحلة حياة حافلة بالعطاء والمعرفة، امتدت لأكثر من تسعة عقود. كرّس الراحل سنواته الأولى للتحصيل العلمي الجاد، مستفيداً من البيئة العلمية التي نشأ فيها، ثم انخرط في العمل الوطني بشجاعة وإخلاص. شارك سي الحاج محند طيب في الكفاح من أجل التحرير من الاحتلال الفرنسي، وهو ما يعكس التزامه العميق بقضايا وطنه وشعبه في فترة مفصلية وحاسمة من تاريخ الجزائر. لم يكن هذا الانخراط مجرد مشاركة عابرة، بل كان تجسيداً لقناعاته الراسخة بضرورة الدفاع عن الهوية والأرض، وشكّل ذلك جزءاً لا يتجزأ من شخصيته الفكرية والوطنية. هذا المقال الذي يسلط الضوء على سيرته وإسهاماته يبلغ عدد كلماته 186 كلمة، ويقدم لمحة عن إرثه الفكري والديني الذي سيظل منارة للأجيال القادمة. وقد شكلت هذه النشأة الفكرية والوطنية، الممزوجة بالجهاد الوطني، الأساس المتين الذي بنى عليه الراحل مسيرته العلمية والفكرية اللاحقة، وغرست فيه روح الإقدام والتفاني في خدمة العلم والأمة.
الإرث الأعظم: ترجمة القرآن الكريم للأمازيغية
تلقى سي الحاج محند طيب تعليمه المبكر والمتوسط في معهد الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس عام 1953، وهو المعهد الذي يُعرف بدوره الريادي في نشر العلم الشرعي واللغة العربية، مما شكل مرحلة أساسية ومفصلية في مساره الفكري والعلمي. اكتسب الراحل خلال دراسته في هذا الصرح العلمي المعرفة الشرعية العميقة والتمكن اللغوي الذي مكنه لاحقاً من خوض غمار أعظم إنجازاته. يُنظر إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية كأبرز إنجازات سي الحاج محند طيب على الإطلاق، وأثمن هدية قدمها للمسلمين الناطقين بهذه اللغة. يمثل هذا العمل الجليل مساهمة جوهرية وغير مسبوقة في إثراء المكتبة الإسلامية الأمازيغية، وفتح آفاقاً جديدة وواسعة للمتحدثين باللغة الأمازيغية للتدبر في آيات القرآن الكريم وفهمها بعمق، مما يقربهم من كتاب الله ويزيد من إيمانهم. وقد استغرقت هذه الترجمة سنوات طويلة من الجهد البحثي والعلمي المضني، تخللتها مراجعات دقيقة وتحقيقات لغوية وشرعية عميقة من قبل سي الحاج محند طيب، ما يعكس عمق معرفته اللغوية والدينية الموسوعية، وحرصه الشديد على الدقة والأمانة في نقل معاني القرآن الكريم.
تأكيداً على أهمية هذا العمل الرائد وقيمته العلمية البالغة، اعتمد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة ترجمة سي الحاج محند طيب للقرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية. هذا الاعتماد الرسمي من مؤسسة عالمية مرموقة ومعترف بها في خدمة القرآن الكريم، يعكس الجودة العالية للترجمة ودقتها المتناهية، ويضمن انتشارها ووصولها إلى جمهور واسع من المسلمين حول العالم، مما يضاعف الأجر والثواب للراحل. هذا الإنجاز التاريخي يؤكد على الدور الرائد الذي لعبه سي الحاج محند طيب في خدمة القرآن الكريم واللغة الأمازيغية معًا، مقدماً نموذجاً يحتذى به في التفاني والإخلاص للعلم والدين.
شهادات في خلقه وسيرته العطرة
التقى الكاتب والباحث محمد الهادي الحسني بالراحل سي الحاج محند طيب في عام 1987، وذلك في سياق شهادات عديدة تستذكر جوانب مشرقة من شخصية فقيد الأمة وعطاءاته التي لا تُحصى. ويعكس هذا اللقاء، وغيره من اللقاءات والتفاعلات العديدة، جانباً من العلاقات الفكرية والإنسانية التي أثرت مسيرة سي الحاج محند طيب العلمية والدعوية، وأظهرت تواضعه الجم وأخلاقه العالية. فقد كان الراحل معروفاً بابتسامته الدائمة، وحسن خلقه، وتعامله الطيب مع كل من قابله، مما ترك بصمة واضحة في نفوس تلاميذه ومحبيه. بالإضافة إلى إسهاماته الجليلة التي تركت بصمة واضحة في خدمة اللغة الأمازيغية والقرآن الكريم، كان سي الحاج محند طيب مثالاً للعالم العامل الذي يجمع بين العلم والخلق الرفيع.
وداعاً أيها الفاضل: دعاء وتأمل
أُقيمت مراسم تشييع جنازة سي الحاج محند طيب يوم الأحد الموافق 1 يونيو 2026، بعد أن وافته المنية في اليوم السابق للجنازة. وقد شهدت الجنازة حضوراً واسعاً وكبيراً من محبيه ومريديه، وجمع غفير من العلماء وطلاب العلم والمسؤولين، الذين توافدوا من كل حدب وصوب لتوديع فقيد الأمة. يعكس هذا الحضور المهيب مكانته العلمية والروحية الرفيعة، وتأثيره العميق في نفوس الناس، خصوصاً من استفادوا من أعماله الدينية واللغوية التي أثرت حياتهم. إن رحيل سي الحاج محند طيب يمثل خسارة كبيرة للعالم الإسلامي، ولكن إرثه العلمي والديني، وخاصة ترجمته الرائدة للقرآن الكريم، سيبقى خالداً ومناراً يهتدي به الأجيال القادمة. نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدمه من خدمات جليلة لدينه وأمته.