اختتم المنتدى الاجتماعي العالمي السابع عشر أعماله يوم السبت الموافق 8 أغسطس في كوتونو، بنين، بعد خمسة أيام من المناقشات وورش العمل المكثفة. جمع المنتدى حركات اجتماعية ومنظمات مجتمع مدني ونشطاء من إفريقيا وحول العالم، في تجمع يعكس التطلعات العالمية نحو عالم أكثر عدلاً واستدامة. حمل المنتدى عنوان "حكامة الموارد الطبيعية والنضالات الشعبية في مواجهة الأزمات العالمية: أي بدائل من أجل السلم والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة؟"، وهو عنوان يوضح الأهداف العميقة التي سعى المشاركون لتحقيقها. تركزت المناقشات على محاور رئيسية شملت إنهاء الاستعمار، والسيادة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والسلام، ونزع السلاح، وحق تقرير المصير، مما يعكس الأجندة الشاملة للحركات الاجتماعية. وقد وضع منتدى كوتونو إفريقيا في صميم هذه النقاشات، خاصة مع تزايد المطالبات بالسيادة الاقتصادية والسياسية وانتقاد التدخلات الخارجية التي تؤثر على مستقبل القارة وشعوبها.
المنتدى الاجتماعي العالمي في أفريقيا: أهداف وتطلعات
كانت هذه هي المرة الرابعة التي تستضيف فيها القارة الأفريقية المنتدى الاجتماعي العالمي، مما يؤكد على الأهمية المتزايدة للقارة في الحوارات العالمية حول التغيير الاجتماعي. وقد سعى المنظمون إلى جعل أفريقيا مساحة حيوية لمناقشة القضايا المتعلقة بتاريخها الاستعماري وواقعها الاقتصادي والسياسي الحالي، بهدف صياغة حلول بديلة ومستقبل أكثر إشراقاً. توقع المنظمون مشاركة حاشدة تجاوزت 50,000 شخص من أكثر من 150 دولة، مما يدل على النطاق العالمي للمنتدى وتأثيره المحتمل. ولتلبية هذا العدد الكبير من المشاركين والتنوع في المواضيع، تم التخطيط لأكثر من 200 جلسة ونشاط، شملت ورش عمل، ومؤتمرات، وفعاليات ثقافية، لضمان تغطية شاملة للقضايا المطروحة.
لم يأتِ اختيار بنين لاستضافة المنتدى في أفريقيا من قبيل الصدفة أو مجرد التناوب الجغرافي، بل جاء ليعكس ديناميكيات النضالات والمقاومة والمقترحات البديلة من مجتمعات غرب أفريقيا، التي تواجه تحديات فريدة. كان اختيار بنين لمناقشة الاستعمار تاريخياً، كونها أرض مملكة داهومي ومقاومة الملك بهانزين ضد التوسع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. هذه الخلفية التاريخية وفرت سياقاً غنياً للنقاشات حول السيادة ومقاومة التدخلات الخارجية. ومع ذلك، لا تزال بنين، مثل دول أخرى في غرب أفريقيا، ضمن منطقة الفرنك الإفريقي والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، مما يبرز التحديات المستمرة في تحقيق السيادة الاقتصادية الكاملة.
نشأ المنتدى الاجتماعي العالمي في عام 2001 بمدينة بورتو أليغري في البرازيل، ليكون بمثابة نقيض للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد في دافوس، مقدماً منصة بديلة للحركات الاجتماعية لمناقشة قضايا العدالة العالمية. أما الملك بهانزين، الذي يرمز لمقاومة الاستعمار، فقد نُفي إلى الجزائر، التي كانت آنذاك تحت الاستعمار الفرنسي، وعاش في البليدة قبل أن يتوفى في الجزائر العاصمة عام 1906. هذا التاريخ الاستعماري الأفريقي يتقاطع مع مبادرات أحدث، حيث تم إطلاق سبع مدارس تربوية قائمة على ثقافة العيش المشترك بسلام في الجزائر، مما يعكس جهوداً مستمرة لتعزيز السلام والتعايش في المنطقة.
مسيرة الأرض والمياه والبذور: قضايا حيوية
كان وصول قافلة غرب إفريقيا من أجل الحق في الأرض والمياه والبذور الزراعية حدثاً بارزاً في المنتدى الاجتماعي العالمي السابع عشر بكوتونو، حيث جسدت هذه القافلة النضالات الشعبية على أرض الواقع. قطعت القافلة مسافة تقدر بحوالي عشر دول وآلاف الكيلومترات، في رحلة طويلة وشاقة لرفع الوعي بالقضايا الحيوية المتعلقة بالموارد الطبيعية. قبل أن تصل حافلاتها إلى جامعة أبومي كالافي، كانت القافلة قد جمعت قصصاً وتجارب من مجتمعات متنوعة. انطلقت مسيرة حاشدة من البوابة الرئيسية للجامعة وصولاً إلى مدرج إدريس ديبي، وشارك فيها قادة أفارقة تقليديون، مما أضفى طابعاً محلياً وتاريخياً على الحدث.
تناولت نقاشات القافلة تحديات متعددة، منها حركة المواطنين داخل إفريقيا، وضعف الروابط بين منظمات المجتمع المدني، وهي قضايا تعيق التنمية والتعاون الإقليمي. كما تطرقت النقاشات إلى قضايا حيوية مثل الاستيلاء على الأراضي، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، وتأثيرات تغير المناخ المدمرة على المجتمعات المحلية. يواجه سكان المنطقة تحديات جسيمة تشمل الاستيلاء على الأراضي، وآثار تغير المناخ، واستخراج المعادن غير المستدام، والنزاعات المسلحة وغير المسلحة، وفقاً للمشاركين الذين قدموا شهادات حية عن هذه المعاناة.
شملت المداولات أيضاً نماذج سياسية واقتصادية لما بعد الاستعمار، وقضية الديون التي تثقل كاهل العديد من الدول الأفريقية، والسيادة الشعبية، والعدالة الاجتماعية، والسيادة المناخية والغذائية، وهي كلها محاور أساسية لتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، أبرزت ياسمينة بن تونس، المسؤولة عن دار السلام ومنسقة مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للتنمية المستدامة (جنة العارف)، عمل المؤسسة من أجل السلام والتعايش، مشددة على أهمية هذه القيم في بناء مجتمعات قوية. التقى تيجاني محمد، حفيد الخليفة العام للطريقة التيجانية، بالخليفة العام في بنين لتعزيز التواصل الروحي والاقتصادي بين المنطقتين، وصرح قائلاً: "التواصل الروحي والاقتصادي بين الجزائر وبينين"، مؤكداً على الروابط الثقافية والاقتصادية العميقة.
مشاركة الجزائر: صوت الحرية والسيادة
شاركت الجزائر بوفد رفيع المستوى في المنتدى الاجتماعي العالمي السابع عشر بكوتونو، حيث استضافت معرضاً وفعاليات متنوعة عكست تاريخها الغني ونضالها من أجل الحرية. حملت هذه المشاركة أهمية تاريخية، بالنظر إلى تاريخ الجزائر الحافل في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، مما جعلها نموذجاً يحتذى به في مقاومة الاستعمار. أكد الوفد الجزائري على أهمية الدفاع عن حرية الشعوب وإنهاء الاستعمار بجميع أشكاله، كقيمة أساسية لا يمكن التنازل عنها. وفي هذا السياق، اعتبر الوفد القضيتين الفلسطينية والصحراوية بمثابة القضيتين الاستعماريتين المتبقيتين عالمياً، داعياً إلى ضرورة إيجاد حلول عادلة لهما. وتعهد الوفد الجزائري بالتضامن والدعم المطلق للشعب الفلسطيني من أجل إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مؤكداً على موقف الجزائر الثابت تجاه هذه القضية المحورية. وقد نُظر إلى مشاركة الجزائر كعنصر مهم بسبب تاريخها العريق، ودورها كبوابة لأفريقيا، وجسر يربط الشمال بالجنوب، مما يمنحها موقعاً استراتيجياً وتأثيراً إقليمياً ودولياً. تعود تجربة المؤسسة، التي كانت جزءاً من المشاركة الجزائرية، إلى مؤتمر "الكلمة للمرأة" عام 2014، والذي أوصى بيوم عالمي للعيش المشترك بسلام، مما يظهر التزام الجزائر الطويل الأمد بهذه المبادئ.
القضية الصحراوية: آخر مستعمرة في أفريقيا
حضرت القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية بقوة في نقاشات المنتدى حول حق تقرير المصير، حيث تم تسليط الضوء على هذه القضايا كجزء لا يتجزأ من أجندة إنهاء الاستعمار. ووصف امبارك سيد أحمد مامين، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد عمال الساقية الحمراء ووادي الذهب، تجربته في المدن المحتلة بالصحراء الغربية بأنها "صعبا جدا، يطبعه الحصار والقمع المستمران"، مقدماً شهادة مؤثرة عن الواقع المرير هناك. وصرح مامين، الذي ولد عام 1995 في المدن المحتلة، أن الصحراء الغربية "من المناطق القليلة في العالم التي يمنع دخول الصحافة الدولية والمراقبين الدوليين إليها"، مما يزيد من عزلة الشعب الصحراوي وصعوبة نقل معاناته للعالم.
انضم مامين إلى "الإعلام الصحراوي المقاوم" في سن الثامنة عشرة، مستخدماً وسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق المظاهرات والقمع، ليصبح صوتاً مهماً للمقاومة. وفي نوفمبر 2020، بعد أن انتهك الجيش المغربي وقف إطلاق النار في الكاركرات، قرر مامين الانتقال إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، بحثاً عن ملاذ آمن ومواصلة نضاله. وأفاد مامين أن الجزائر احتضنت "كل من يبحث عن الحرية"، مؤكداً على دور الجزائر كملجأ وداعم للحركات التحررية. ونظم مامين وزملاؤه معرضاً ومناقشات حول القضية الصحراوية وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية، بهدف تعريف المشاركين الدوليين بالوضع الإنساني والسياسي. وقد قُدمت الصحراء الغربية في المنتدى على أنها "آخر مستعمرة في إفريقيا"، وهو وصف يهدف إلى حشد الدعم الدولي لإنهاء هذا الوضع. ودعمت الدبلوماسية الجزائرية هذا المشروع، مما أدى إلى اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 مايو يوماً عالمياً للعيش معاً في سلام عام 2017، وهو إنجاز يعكس التزام الجزائر بتعزيز قيم السلام والتعايش على مستوى العالم.