المغرب وموريتانيا: مناورة حدودية أم استراتيجية إقليمية؟

أعلنت المغرب عن مشروع لإعادة تأهيل نقطة حدودية موريتانية مع الصحراء الغربية المحتلة، قبالة معبر الكركرات، في خطوة تثير تساؤلات إقليمية حول دوافعها وتوقيتها. جاء هذا الإعلان عن اتفاق إعادة تأهيل النقطة الحدودية خلال زيارة وزير التجهيز والنقل الموريتاني، عالا ولد فريك، للمغرب، حيث استقبله وزير التجهيز والماء المغربي، نزار بركة. يشير دبلوماسي متقاعد إلى أن المشروع قد يكون مناورة إعلامية تهدف إلى تحقيق أهداف أخرى، مرجعاً ذلك إلى قيود المغرب المالية على تمويل مثل هذا المشروع الضخم، ما لم يتدخل طرف ثالث معروف بإثارة عدم الاستقرار الإقليمي، مثل الإمارات العربية المتحدة. ووفقاً للدبلوماسي المتقاعد، فإن رغبة تعطيل العلاقات الجزائرية الموريتانية بتورط طرف ثالث حاضرة بقوة في هذا السياق، مما يضيف طبقة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.

تطور العلاقات الجزائرية الموريتانية

عززت الجزائر علاقاتها مع النيجر وتشاد ومالي من خلال اتفاقيات تعاون ودعم متعددة الأوجه، مما يعكس استراتيجية إقليمية أوسع. وقد شهدت العلاقات الجزائرية الموريتانية تقدماً ملحوظاً على الصعيد السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية المشتركة. ويأتي هذا التقدم في العلاقات الجزائرية الموريتانية كجزء من استراتيجية الجزائر لتعزيز روابطها الإقليمية وتقوية نفوذها في المنطقة. وفي الأسبوع الماضي، زار وزير الدولة الجزائري وعميد جامع الجزائر الأعظم، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، العاصمة نواكشوط للمشاركة في الدورة التاسعة والثلاثين للمؤتمر الدولي للسيرة النبوية، مما يعكس عمق العلاقات الثقافية والدينية. كما قام رئيس الوزراء الموريتاني، مختار ولد اجاي، بزيارة إلى الجزائر يومي 6 و 7 أبريل 2026، حيث ترأس اجتماعات اللجنة المشتركة مع نظيره الجزائري، سيف غريب، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. وفي سياق متصل، التقى وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بنظيره الموريتاني في جدة بالمملكة العربية السعودية، في 27 أغسطس 2026، على هامش اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي، مما يؤكد التنسيق المستمر بين البلدين على المستويات الإقليمية والدولية.

المغرب يسعى لتعزيز نفوذه الإقليمي

يسعى المغرب لمواكبة التقدم الذي أحرزته الجزائر مع موريتانيا في تطوير البنية التحتية، وذلك في سياق يبرز التنافس الإقليمي على النفوذ والمصالح. ويخشى المغرب من فقدان نقطة وصوله الوحيدة إلى غرب أفريقيا، والتي تعتبر شرياناً حيوياً لتجارته وعلاقاته الإقليمية. وقد كانت هذه النقطة، وهي معبر الكركرات، سبب انهيار وقف إطلاق النار بين النظام المغربي وجبهة البوليساريو في 13 نوفمبر 2020، مما أدى إلى تصعيد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة. يهدف المغرب من خلال هذا المشروع إلى تعزيز نفوذه الإقليمي والرد على التطورات المتسارعة في علاقات الجزائر مع دول الجوار، محاولاً بذلك الحفاظ على توازنات القوى الإقليمية.

تداعيات التطبيع مع إسرائيل

يرى الدبلوماسي المتقاعد أن إعلان المغرب الأخير يهدف إلى طمأنة الجمهور المغربي بشأن قضايا هامشية، وصرف الانتباه عن القضية الأساسية المتعلقة برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل إلى مستوى سفير. وقد أثار هذا التطور استياءً عاماً واسع النطاق داخل المغرب، مما دفع السلطات إلى محاولة تحويل التركيز نحو قضايا أخرى ذات أهمية أقل في نظر الشارع. يُعتقد أن تورط هذا الطرف الثالث، الذي يثير عدم الاستقرار الإقليمي من خلال تدخلاته، قد لعب دوراً في قرار الجزائر بقطع علاقاتها مع أبو ظبي، مما يكشف عن شبكة معقدة من التحالفات والتوترات في المنطقة. تشير هذه التطورات إلى تعقيدات جيوسياسية متزايدة في المنطقة، حيث تتشابك المصالح الإقليمية مع السياسات الخارجية للدول الكبرى والصغرى بطرق تؤثر على الاستقرار العام.

تحديات المغرب في السنغال

تتسم علاقات المغرب مع السنغال بالتوتر بسبب اتهامات بالضلوع في إثارة الفتنة داخل المؤسسات السنغالية، مما يهدد الاستقرار الداخلي لهذا الحليف التاريخي. وقد أُحبطت جهود المغرب لإفساد علاقات الجزائر مع جيرانها الجنوبيين (مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو) بعد تطبيع العلاقات مع هذه الدول في الأشهر الأخيرة، مما قلل من نفوذ المغرب في تلك الدول. وتمتد تحديات المغرب إلى السنغال، التي تعتبر حليفاً تاريخياً مهماً، عقب سقوط حكومة الرئيس السابق ماكي سال، وتغير المشهد السياسي فيها. ويتهم المغرب بالتدخل في إثارة خلاف بين الرئيس السنغالي الحالي باسيرو ديوماي فاي ومرشده الروحي والشخصية الكاريزمية عثمان سونكو، مما يهدد بتقسيم الصف السياسي السنغالي. ويُزعم أن المغرب دعم باسيرو ديوماي فاي بدافع التحدي تجاه عثمان سونكو، وهو ما يوصف بأنه رهان على خاسر قد يؤدي إلى مستقبل مظلم للعلاقات الثنائية في حال أصبح سونكو رئيساً في المستقبل، مما سيزيد من عزلة المغرب الإقليمية. هذه التطورات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتضع المغرب أمام تحديات دبلوماسية واستراتيجية متعددة تتطلب مقاربة أكثر حذراً.