السفير التركي بالجزائر يسلط الضوء على شراكة استراتيجية متنامية وفرص استثمارية واعدة

سفير تركيا لدى الجزائر محمد مجاهد كوتشوك يلماز
الصورة: الشروق عبر Echoroukonline

في إطار تقييم معمق للعلاقات الثنائية وفرص التعاون المستقبلي الواعدة، سلط السفير التركي لدى الجزائر، محمد موشتو كوتشاك (Mehmet Muştu Koçak)، الضوء على الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين. جاءت تصريحات السفير كجزء من مقابلة شاملة، أكد فيها على اهتمام أنقرة الكبير بتعزيز الروابط مع الجزائر في شتى المجالات. وقد شهدت العلاقات بين تركيا والجزائر تطوراً ملحوظاً ومستمراً، خاصة بعد الزيارة الهامة التي قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى العاصمة التركية أنقرة في الفترة ما بين 6 و 8 مايو 2026. هدفت هذه الزيارة رفيعة المستوى إلى بحث سبل توسيع وتعميق التعاون في مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك الاقتصاد والتجارة والاستثمار، مما يعكس الرغبة المشتركة والصادقة لدى القيادتين في بناء شراكة قوية ومستدامة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام. هذه الشراكة الاستراتيجية تهدف إلى تعزيز المصالح المشتركة للبلدين في مجالات متعددة، وتُعد دليلاً واضحاً على الالتزام المتبادل بتعزيز أواصر التعاون وتطويرها بما يخدم تطلعات الشعبين.

تعزيز الشراكة الاقتصادية نحو 2030: آفاق واعدة ومؤشرات نمو

تطمح تركيا والجزائر إلى تحقيق قفزة نوعية في علاقاتهما الاقتصادية، حيث تهدفان إلى الوصول بحجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة بينهما إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030. يأتي هذا الهدف الطموح ضمن مساعي البلدين الحثيثة لتعزيز الروابط الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون المشترك ليشمل قطاعات جديدة وواعدة. ويُعد هذا الرقم دليلاً على الإمكانات الكبيرة غير المستغلة بين الجانبين، والتي تسعى الدولتان إلى تفعيلها بالكامل. ويبلغ حجم التبادل التجاري الحالي بين الجزائر وتركيا نحو 6 مليارات دولار، وهو ما يمثل نمواً مطرداً وملحوظاً في العلاقات التجارية الثنائية، ويشير إلى أن المسار نحو تحقيق الهدف المحدد لعام 2030 يسير بخطى ثابتة ومدروسة. هذا النمو المستمر يعكس الثقة المتزايدة بين الفاعلين الاقتصاديين في كلا البلدين، ويؤكد على جدوى الاستراتيجيات المتبعة لتعزيز التبادل التجاري.

وفي إطار تسهيل هذه الشراكة الاقتصادية المتنامية وتحفيزها، تم اتخاذ قرار استراتيجي بخفض السن الأقصى للاستفادة من تسهيلات التأشيرة الممنوحة للمستثمرين ورجال الأعمال الأتراك من 65 إلى 50 عاماً. يهدف هذا الإجراء المرن إلى تشجيع المزيد من المستثمرين الأتراك، خاصة من الفئة الشابة والنشطة، على دخول السوق الجزائرية والمساهمة بفاعلية في المشاريع التنموية الكبرى التي تشهدها الجزائر. هذا التسهيل يعزز من فرص تحقيق الأهداف الاقتصادية المشتركة ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون في مختلف القطاعات، مما يعكس جدية الجزائر في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويؤكد على التزامها بتوفير بيئة جاذبة للأعمال. هذه الخطوة تؤكد على إدراك القيادة الجزائرية لأهمية دور الشباب في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.

قطاعات التعاون الاستراتيجي والاستثمار: تنوع وعمق

تُقدر الاستثمارات التركية في الجزائر بنحو 8 مليارات دولار، مما يعكس عمق الشراكة الاقتصادية القائمة والثقة المتبادلة بين البلدين. هذه الاستثمارات الضخمة تجعل تركيا أحد أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر خارج قطاع المحروقات، مما يدل على تنوع وتعدد مجالات التعاون. وتستكشف الشركات التركية حاليًا فرصًا استثمارية جديدة ومتنوعة، لا سيما في قطاع الصناعات الغذائية، الذي يُعد قطاعاً حيوياً ويحمل إمكانات نمو هائلة في الجزائر، ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي للبلاد. تشمل القطاعات الرئيسية للتعاون الاستراتيجي والاستثمار، والتي تحظى باهتمام كبير من الجانبين، مجالات حيوية مثل صناعة الحديد والصلب، والتي تشهد استثمارات تركية كبيرة، بالإضافة إلى قطاع الزراعة الذي يُعد ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير البنية التحتية التي تُعد محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي، وتوفير فرص عمل جديدة. كما يمتد التعاون ليشمل الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، مما يعكس طموح البلدين لتطوير قدراتهما الصناعية والتقنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه المجالات الحيوية. وينظر المستثمرون الأتراك بإيجابية بالغة إلى الإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي تنفذها الجزائر في إطار مشروع "الجزائر الجديدة"، والتي تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال وتسهيل الاستثمار الأجنبي، مما يعزز من جاذبية السوق الجزائرية ويزيد من ثقة الشركات الأجنبية في فرص النجاح. هذه الإصلاحات تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية وتوفير حوافز استثمارية، مما يجعل الجزائر وجهة مفضلة للاستثمار التركي.

الجزائر كشريك إقليمي ودولي: مواقف مشتركة ورؤى متقاربة

في تأكيد على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الثنائية، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة رسمية إلى الجزائر في 21 نوفمبر 2023. هذه الزيارة، إلى جانب زيارة الرئيس تبون لأنقرة، تؤكد على مستوى التنسيق الرفيع بين القيادتين وتعكس الرغبة في تعزيز الحوار السياسي والتشاور المستمر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. وتتشاطر الجزائر وتركيا مواقف متشابهة ورؤى متقاربة بشأن العديد من القضايا الدولية والإقليمية الملحة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، حيث يدعم البلدان حل الدولتين ويؤكدان على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. هذا التوافق في المواقف يعزز من قوة صوت البلدين في المحافل الدولية ويسهم في تحقيق العدالة.

كما تُولي تركيا أهمية خاصة ودوراً محورياً لدور الجزائر في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، لا سيما في منطقة الساحل الأفريقي، التي تُعد منطقة استراتيجية تشهد تحديات أمنية معقدة وتتطلب جهوداً دولية منسقة. هذا التقدير للدور الجزائري يعكس اعتراف أنقرة بقدرة الجزائر على المساهمة الفعالة في حل النزاعات ودعم الاستقرار في المنطقة من خلال دبلوماسيتها النشطة وخبرتها الطويلة في الوساطة. وتُعد هذه المواقف المشتركة والتفاهم المتبادل أساساً متيناً لتعميق التعاون الدبلوماسي والتنسيق بين البلدين في المحافل الدولية والإقليمية، مما يعزز من نفوذهما ويساهم في تحقيق السلام والأمن العالميين، ويدعم جهود بناء عالم أكثر استقراراً وازدهاراً.