عززت الجزائر شراكاتها الاقتصادية مع دول أوروبية كبرى، حيث كثفت ألمانيا على وجه الخصوص حضورها الاقتصادي في البلاد خلال الفترة الأخيرة. وتأتي هذه الخطوات في إطار مساعي ألمانيا لتنويع مصادر طاقتها وتقليل اعتمادها على روسيا، مما يجعل الجزائر شريكاً استراتيجياً في هذه المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية المتغيرة. وتؤكد هذه التطورات على الأهمية المتزايدة للجزائر كمركز للطاقة وشريك اقتصادي موثوق به في المنطقة.
وقد استقبلت الجزائر في الآونة الأخيرة وفوداً اقتصادية رفيعة المستوى من عدة دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، لكن الزخم الأكبر لوحظ في العلاقة مع ألمانيا. وتسعى برلين إلى تأمين بدائل لموارد الطاقة التي كانت تعتمد عليها سابقاً، وتنظر إلى الجزائر كشريك استراتيجي في هذا المجال، ليس فقط في مجال المحروقات، بل أيضاً في قطاعات الطاقة المتجددة والصناعة. في هذا السياق، تسعى إيطاليا وإسبانيا أيضاً إلى زيادة تواجدهما الاقتصادي في الجزائر، في حين يسعى الشركاء الفرنسيون لاستعادة بعض المزايا التي فقدوها في السوق الجزائرية، مما يعكس تنافساً أوروبياً متزايداً على الشراكة مع الجزائر.
تعاون متزايد في مجال الطاقة المتجددة
شهدت الجزائر وإسبانيا هذا الأسبوع توقيع اتفاقية لتنفيذ مشروع "DigiEnR" بهدف رقمنة دمج الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية الوطنية. وجرى توقيع اتفاقية مشروع "DigiEnR" مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وهو ما يسلط الضوء على الدور المحوري لألمانيا في دعم التحول الطاقوي في الجزائر. وقد أعلن عن هذه الاتفاقية الهامة في بيان صادر عن وزارة الطاقة والطاقات المتجددة يوم الثلاثاء الموافق 16 يونيو. ويأتي هذا التطور في سياق تعزيز الشراكات في قطاع الطاقة، خاصة مع الاهتمام المتزايد بالتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية للجزائر في هذا القطاع. يهدف المشروع إلى تحسين كفاءة الشبكة الكهربائية الوطنية واستيعاب أكبر قدر من الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة، مما يعزز استدامة النظام الطاقوي الجزائري.
وفي سياق متصل، غادرت الشركة الفرنسية "Coface" فرعها في الجزائر، في خطوة تعكس التغيرات التي تشهدها الساحة الاقتصادية الجزائرية. ويُمكن أن يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها جزء من ديناميكية أوسع تشهدها السوق، حيث تتغير ملامح التواجد الأجنبي في بعض القطاعات، بينما تتزايد الشراكات في قطاعات أخرى ذات أهمية استراتيجية كالطاقة المتجددة التي تشهد اهتمامًا متزايدًا من قبل الشركاء الدوليين، لا سيما الألمان. هذا التطور يشير إلى إعادة ترتيب للأولويات والفرص الاستثمارية في الجزائر، حيث تبرز قطاعات معينة كجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر.
استثمارات ألمانية في قطاع السيارات الجزائري
تستعد ست شركات صناعية ألمانية للوصول إلى الجزائر في الفترة ما بين 28 يونيو (حزيران) و3 يوليو (تموز) لاستكشاف فرص الاستثمار في قطاع صناعة السيارات، وهو ما يمثل دفعة قوية للقطاع الصناعي الجزائري. وتهدف هذه الشركات إلى إرساء "منظومة صناعية متكاملة" ضمن قطاع السيارات الجزائري، بحسب مصادر مطلعة، مما يعني بناء سلسلة قيمة محلية قوية ومتكاملة. يأتي هذا التوجه في إطار سعي الجزائر لتعميق التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، والتقليل من الاعتماد على الاستيراد. هذا الاستثمار المحتمل لا يقتصر على تجميع السيارات، بل يمتد ليشمل تصنيع قطع الغيار والمكونات محلياً.
ويندرج هذا التعاون ضمن الإطار التنظيمي للمرسوم 22-384، الذي يحدد نسبة الإدماج المحلي بثلاثين بالمئة بحلول نهاية عام 2026، وهو شرط أساسي لأي استثمار في قطاع السيارات. ويُعَد هذا المرسوم حجر الزاوية في استراتيجية الجزائر لتطوير صناعة سيارات محلية قوية ومستدامة، تهدف إلى خلق فرص عمل ونقل التكنولوجيا. في هذا السياق، تعمل شركة صناعة السيارات العملاقة Stellantis على تطبيق متطلبات هذا المرسوم في منشأتها الواقعة في تافراوي غرب الجزائر، مما يؤكد التزام الشركات الأجنبية بالمعايير الجزائرية لتعزيز الإنتاج المحلي والمساهمة في الاقتصاد الوطني. هذا الالتزام يعكس جدية الشركات في بناء شراكات طويلة الأمد مع الجزائر.
وتشمل المناقشات الجارية مع الشركات الألمانية أيضاً جوانب متعددة، منها نقل المعرفة والخبرات التكنولوجية، وإقامة شراكات من المستوى الأول والثاني التي تشمل الموردين المحليين، إضافة إلى الهندسة، والحصول على شهادات الجودة الدولية، وتطبيق الخدمات اللوجستية التسلسلية المتطورة. وتهدف هذه المحاور إلى بناء قدرات محلية قوية تضمن استدامة وتنافسية الصناعة الجزائرية في المستقبل، وتمكينها من المنافسة على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذه الشراكات تسعى إلى تطوير كفاءات جزائرية في مختلف مراحل الإنتاج والتصميم.
آفاق الشراكة الاقتصادية والجيوسياسية
تأتي هذه التحركات الألمانية في سياق أوسع يشمل تنامي الحضور الاقتصادي لدول أوروبية أخرى في الجزائر، حيث تعمل إيطاليا وإسبانيا أيضاً على زيادة تواجدهما، بينما يسعى الشركاء الفرنسيون لاستعادة بعض المزايا التي فقدوها في السوق الجزائرية. وتطمح الجزائر إلى أن تصبح "مصدراً للطاقة الخضراء" بحلول عام 2040، في إطار استراتيجيتها طويلة المدى لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز مكانتها الإقليمية في هذا المجال. ويشير هذا التوجه إلى أهمية الشراكات الدولية في تحقيق الأهداف الاقتصادية للبلاد، خاصة في مجال الطاقة المتجددة. هذا الهدف الطموح يتطلب استثمارات ضخمة ونقل تكنولوجيا متقدمة، وهو ما تسعى الجزائر لتحقيقه عبر تعزيز علاقاتها مع الشركاء الأوروبيين. وفي مؤشر على تنامي العلاقات الاقتصادية الثنائية، وصل عدد أعضاء الغرفة التجارية والصناعية الجزائرية-الألمانية (AHK Algérie) إلى 700 عضو في عام 2026، مما يعكس زيادة اهتمام الشركات الألمانية بالسوق الجزائرية وتعميق الروابط التجارية بين البلدين. هذا النمو في العضوية يؤكد على الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية الجزائرية والفرص المتاحة للشركات الألمانية.