الجزائر تُحدث نظامها الضريبي للشركات الأجنبية لمواكبة المعايير الدولية وتعزيز الشفافية

تُباشر الجزائر تحديثًا شاملًا لنظامها الضريبي بهدف مواءمته مع المعايير الدولية الحديثة، وذلك من خلال إدخال تعديلات جديدة تستهدف الشركات الأجنبية العاملة في البلاد. تهدف هذه التوضيحات المستحدثة إلى تعزيز الشفافية الضريبية وضمان خضوع الأرباح المحققة فعليًا في الجزائر للضريبة، بما يتماشى مع الجهود الدولية لمكافحة التهرب الضريبي وتحويل الأرباح. وقد أصدرت وزارة المالية الجزائرية توجيهات جديدة، بموجب المذكرة رقم 44 بتاريخ 1 يونيو 2026، تتضمن هذه التعديلات المطبقة على النظام الضريبي للشركات الأجنبية. وتأتي هذه الخطوات تنفيذًا لأحكام قانون المالية لسنة 2026، حيث ستُطبق القواعد الجديدة على الأرباح الخاضعة للضريبة اعتبارًا من عام 2026 فصاعدًا.

توضيح احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة وتأثيرها على عقود EPC

تهدف التعديلات الجديدة بشكل رئيسي إلى توضيح كيفية تحديد الأرباح الخاضعة للضريبة للكيانات غير المقيمة التي تعمل في الجزائر من خلال منشآت دائمة أو فروع. وتؤثر هذه التوضيحات بشكل خاص على الشركات التي تنفذ مشاريع كبرى في قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة والبنية التحتية، والتي غالبًا ما تتضمن عقودًا معقدة. وبموجب التوجيهات الجديدة، أصبحت الإيرادات المتأتية من تسليم المعدات ضمن عقود الهندسة والتوريد والبناء (EPC) خاضعة للضريبة في الجزائر، وهو ما يمثل تغييرًا جوهريًا في المنهجية الضريبية.

يجب على الشركات الأجنبية التي تنفذ عقود EPC أن تدرج جميع الأرباح المحققة في الجزائر ضمن دخلها الخاضع للضريبة، ويشمل ذلك إيرادات تسليم المعدات. وينطبق هذا حتى لو كانت فواتير المعدات منفصلة أو تم تخليصها جمركياً باسم المقاول الجزائري. ولم يعد للفصل المحاسبي لمكونات العقد أي تأثير على تحديد الأرباح الخاضعة للضريبة، مما يهدف إلى سد الثغرات التي قد تستخدم لتقليل الوعاء الضريبي. وتأتي هذه التعديلات بعد تعديل المادتين 140 و 169 من قانون الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة، لتعكس هذه التغييرات التشريعية وتضمن تطبيقها الفعال.

إلغاء خصم المصاريف الداخلية للشركات وتعزيز الوعاء الضريبي

في خطوة أخرى لتعزيز الوعاء الضريبي ومكافحة تحويل الأرباح، ألغت الجزائر إمكانية خصم المصاريف الداخلية التي تتم بين المقر الرئيسي لشركة أجنبية ومنشآتها الدائمة العاملة في البلاد. وتأتي هذه الخطوة ضمن سعي السلطات الجزائرية لتحديد أوعية ضريبية أكثر دقة للشركات غير المقيمة، ومنع استنزاف الأرباح المحلية عبر فواتير داخلية.

تشمل المصاريف غير القابلة للخصم مدفوعات متعددة، منها ما يتعلق بالمعدات والبرمجيات وحقوق الملكية الفكرية، والتي غالبًا ما تكون محل نزاعات ضريبية. كما تطال هذه القيود الخدمات الإدارية والفنية، بالإضافة إلى عمليات التمويل الداخلي بين الكيان الرئيسي وفروعه. تعتبر هذه المعاملات الداخلية جزءًا من نفس الكيان القانوني، وبالتالي لا تُصنف على أنها مصاريف حقيقية يمكن أن تخفض الوعاء الضريبي للشركة في الجزائر، مما يعكس نظرة السلطات الضريبية لهذه المعاملات كعمليات تحويل داخلية لا كخدمات مستقلة.

في سياق متصل، اعتبرت الإدارة الضريبية الجزائرية مبلغ 16 مليون دينار جزائري كـ "مصاريف نظرية غير قابلة للخصم"، مما يؤكد التوجه الجديد نحو تشديد الرقابة على خصم التكاليف الداخلية. هذا التغيير يعكس حرص الجزائر على ضمان دفع الشركات الأجنبية للضرائب على الأرباح المحققة فعليًا داخل حدودها، بما يتماشى مع المعايير الدولية الهادفة إلى مكافحة التهرب الضريبي وتحويل الأرباح.

تطبيق القواعد الجديدة والأمثلة التوضيحية وتأثير المعاهدات الضريبية

تُطبق هذه القواعد الجديدة حتى على العقود الموقعة قبل عام 2026 والتي ما زالت قيد التنفيذ، مما يؤكد سريان التعديلات بأثر فوري على المشاريع المستمرة ويفرض على الشركات مراجعة التزاماتها الضريبية الحالية. وقد استُخدمت شركة ألمانية، Corp GmbH، كمثال توضيحي لتبيان كيفية تطبيق اللوائح الجديدة. فقد تكبد فرع الشركة في الجزائر مصاريف داخلية بلغت 10 ملايين دينار جزائري لاستئجار معدات، بالإضافة إلى 2 مليون دينار جزائري كرسوم ترخيص برمجيات، و4 ملايين دينار جزائري كفوائد تمويل. وبلغ إجمالي هذه المصاريف الداخلية لـ Corp GmbH مبلغ 16 مليون دينار جزائري. ويُشير النص الضريبي إلى أن المعاهدة الضريبية الجزائرية الألمانية، الموقعة في 12 نوفمبر 2007، تحظر خصم المدفوعات من المنشآت الدائمة إلى المقر الرئيسي مقابل حقوق الاستخدام، أو الإتاوات (royalties)، أو الرسوم، أو الفوائد، باستثناء سداد المصاريف الفعلية المدفوعة لأطراف ثالثة. هذا المثال يوضح كيف يمكن للمعاهدات الضريبية الثنائية أن تلعب دورًا في تحديد نطاق الخصم المسموح به.

أهداف الإصلاحات الضريبية وتأثيرها على مناخ الأعمال

تهدف هذه الإجراءات إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز مصداقية النظام الضريبي الجزائري، بحسب ما أفادت به السلطات. وتشير التوجيهات إلى أن المعاهدات الضريبية المبرمة بين الجزائر والأوطان الأصلية للشركات الأجنبية قد توفر استثناءات محددة من بعض هذه القواعد الجديدة، مما يدعو الشركات إلى مراجعة هذه المعاهدات بعناية. وتهدف هذه التعديلات بشكل عام إلى تعزيز الرقابة على المعاملات العابرة للحدود، ومكافحة الممارسات التي تسعى إلى تقليص الوعاء الضريبي أو تحويل الأرباح إلى الخارج. وتسعى الجزائر من خلال ذلك إلى ضمان تحصيل عادل للضرائب على الأنشطة الاقتصادية داخل حدودها، مما يسهم في تحقيق العدالة الضريبية وزيادة الإيرادات الحكومية الضرورية للتنمية الوطنية.