تسعى الجزائر لتعديل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بهدف مواكبة التغيرات في واقعها الاقتصادي الجديد، وذلك بعد أن أصبحت مُصدّراً للمنتجات الصناعية، بما في ذلك الحديد. تعكس هذه الخطوة تحولاً اقتصادياً كبيراً في البلاد، حيث لم يكن إنتاج الجزائر من الحديد موجوداً تقريباً عندما جرى توقيع الاتفاقية الأصلية قبل أكثر من عقدين. وُقّعت اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي في الثاني والعشرين من أبريل/نيسان عام 2002، ودخلت حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر/أيلول 2005. تحتوي الاتفاقية على آليات قانونية تسمح بالتقييم والمراجعة، مما يوفر أساساً للتعديلات المقترحة، ويُعد ذلك دليلاً على مرونة الإطار القانوني للاتفاقية وقدرته على الاستجابة للتطورات الاقتصادية والسياسية.
تداعيات آلية تعديل الكربون الأوروبية
تُعد آلية تعديل الكربون الأوروبية (CBAM) أحد أبرز التحديات التي يواجهها المصدرون الجزائريون حالياً، حيث كلّفتهم حوالي 600 مليون دولار أمريكي في عام 2024 وحده. يأتي ذلك في سياق سعي الجزائر لتعديل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بهدف مواءمة بنودها مع التطورات الاقتصادية الأخيرة في البلاد، وخاصة بعد أن أصبحت مُصدّراً للعديد من المنتجات الصناعية. تفرض هذه الآلية رسوماً إضافية على السلع المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي بناءً على انبعاثات الكربون المرتبطة بإنتاجها، مما يضع عبئاً مالياً إضافياً على الصادرات الجزائرية، ويُهدد قدرتها التنافسية في السوق الأوروبية التي تُعد شريكاً تجارياً رئيسياً.
تُشكل صادرات الأمونيا والأسمدة ما يقرب من 25% من الصادرات الجزائرية الخاضعة لضريبة الكربون الأوروبية، مما يعكس الأثر المباشر للآلية على قطاعات رئيسية في الاقتصاد الجزائري. وتبرز هذه التكلفة كأحد الدوافع الرئيسية وراء رغبة الجزائر في إعادة التفاوض بشأن شروط اتفاقية الشراكة، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2005، من أجل معالجة التحديات الاقتصادية والبيئية الجديدة التي تواجهها صادراتها. إن التأثير المالي الكبير لآلية تعديل الكربون الأوروبية يعزز من ضرورة إعادة النظر في بنود الاتفاقية لضمان قدرة المنتجات الجزائرية على المنافسة في السوق الأوروبية، ويُبرز الحاجة إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن استمرارية تدفق السلع الجزائرية إلى الأسواق الأوروبية دون تحمل أعباء إضافية تُعيق نموها الاقتصادي.
واقع التبادل التجاري الحالي
تتضمن اتفاقية الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي أكثر من 110 بنود تغطي مجالات واسعة تشمل الحوار السياسي والتجارة والتعاون. تستفيد الجزائر حالياً من حصص تصدير غير مستخدمة من دول أوروبية أخرى، وذلك وفقاً لمبدأ "الأسبقية في الخدمة" (first come, first served)، مما يوفر بعض المرونة في حجم الصادرات. وتستحوذ دول فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا على حوالي 75% من حجم التبادل التجاري بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، مما يؤكد على الأهمية الكبيرة لهذه الدول كشركاء تجاريين رئيسيين للجزائر، ويُسلط الضوء على التركيز الجغرافي للعلاقات التجارية.
تتكون الصادرات الجزائرية إلى أوروبا بشكل أساسي من المحروقات، حيث لا تزال تشكل العمود الفقري للعلاقات التجارية الثنائية. في المقابل، تستورد الجزائر من الاتحاد الأوروبي منتجات مصنعة أو شبه مصنعة، مما يعكس طبيعة التبادل التجاري القائمة على تصدير المواد الخام واستيراد السلع ذات القيمة المضافة، وهي ديناميكية تسعى الجزائر لتغييرها من خلال تنويع صادراتها. وتمثل الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات حوالي 10% فقط من إجمالي صادرات البلاد، وهو ما يشير إلى الحاجة لتنويع الاقتصاد وزيادة حصة المنتجات الصناعية في الصادرات. في المقابل، تشكل واردات الجزائر من الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 60% من إجمالي وارداتها، مما يبرز الاعتماد الكبير على السوق الأوروبية لتلبية احتياجاتها من السلع الأساسية والمصنعة. وتخسر الجزائر حوالي 2 مليار دولار سنوياً بسبب الإعفاءات الجمركية الممنوحة بموجب الاتفاقية الحالية، مما يثير تساؤلات حول مدى توازن هذه الشراكة في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة، ويُعزز من المطالب الجزائرية بإعادة التفاوض لضمان مصالحها الاقتصادية.
مطالب جزائرية للشراكة المتوازنة
تستند المطالب الجزائرية بتعديل اتفاقية الشراكة إلى أسس قانونية واضحة، حيث تسمح المادتان 16 و 41 من الاتفاقية بمراجعة وتطوير بنودها. يمنح هذا الأساس القانوني الجزائر الحق في السعي لإعادة التفاوض، وهو ما يوفر المرونة اللازمة لإعادة تقييم الشروط الأصلية التي تم الاتفاق عليها، لا سيما في ضوء التغيرات الاقتصادية والتحولات الصناعية التي شهدتها الجزائر منذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 2005. يعكس هذا البند استعداد الطرفين لتكييف الاتفاقية مع الظروف المستجدة، بما يضمن استمراريتها وفعاليتها في خدمة مصالح الطرفين بشكل متوازن وعادل، ويُتيح الفرصة لمعالجة التحديات الجديدة التي لم تكن قائمة عند التوقيع.
تأتي هذه المطالب في سياق يمتد إلى ما قبل توقيع الاتفاقية الحالية، حيث شهدت المنطقة إطلاق عملية برشلونة (Barcelona Process) مع إعلان برشلونة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1995. هدفت هذه العملية إلى تعزيز العلاقات الأورومتوسطية وتأسيس منطقة شراكة وازدهار مشتركة، مما يضع الاتفاقية الحالية ضمن إطار أوسع للتعاون الإقليمي، ويُبرز الطموحات المشتركة بين ضفتي المتوسط. وقد مهدت عملية برشلونة الطريق للعديد من اتفاقيات الشراكة الثنائية، بما في ذلك الاتفاقية الحالية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، لتشكل إطاراً للتعاون الاقتصادي والسياسي بين ضفتي المتوسط. تسعى الجزائر اليوم إلى تحديث هذا الإطار ليعكس واقعها الاقتصادي الجديد ويضمن مصالحها التنموية في ظل التحديات العالمية الراهنة، مؤكدة على أهمية الشراكة المتوازنة التي تُراعي التطورات الاقتصادية والبيئية الأخيرة.