تتجه الجزائر نحو تبني الذكاء الاصطناعي والخرائط الذكية لإعادة تعريف إدارة الكوارث، مستفيدة من تقنية الجيل الخامس (5G)، وذلك بهدف الانتقال من الاستجابة إلى استباق المخاطر. يراهن الخبراء على هذه التقنيات كخط دفاع أول لمواجهة التحديات المتزايدة التي تشهدها البلاد، ويعتبرون أن الذكاء الاصطناعي والخرائط الذكية يمثلان خط الدفاع الأول ضد الكوارث. وقالت ميرنا أبو عطا، مسؤولة البرامج الإقليمية في مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR) للدول العربية، إن الذكاء الاصطناعي والخرائط الذكية يمكن أن تساعد الجزائر على التحول من الاستجابة للكوارث إلى التنبؤ بها. تواجه الجزائر واقعاً يتطلب حلولاً رقمية محلية جديدة، خاصة بعد سنوات شهدت فيها البلاد حرائق غابات وفيضانات، مما أثار تساؤلات حول التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها قبل وقوعها. وتُعد حرائق الغابات والفيضانات والزلازل من الأخطار الرئيسية التي تواجه الجزائر، وفقاً للسلطات والمتخصصين، وتستدعي هذه الأخطار المتكررة تطوير أدوات وقائية واستباقية.
الخرائط الذكية ونظم المعلومات الجغرافية: أساس التحول الرقمي
يؤكد خبراء الأمم المتحدة أن الجزائر ملزمة بتوظيف نظم المعلومات الجغرافية لمواجهة الحرائق والفيضانات المتكررة التي تشهدها البلاد. وتتيح الخرائط الرقمية إمكانية حمل طبقات متعددة من المعلومات في آن واحد، مثل طبيعة الأرض، وغطاء النباتات، ودرجات الحرارة، ومصادر المياه، وشبكات الطرق، والمراكز السكانية. وعند ربط هذه المعلومات بأنظمة الذكاء الاصطناعي، يصبح بالإمكان تحليلها واكتشاف العلاقات بينها وتحويلها إلى مؤشرات رقمية تسهم في فهم مستوى المخاطر في كل منطقة جغرافية.
ويُشدد على أن الاستثمار في البيانات الرقمية والخرائط وتقنيات الذكاء الاصطناعي يعمل على تعزيز قدرات التدخل القائمة بدلاً من استبدالها، مما يمثل إضافة نوعية لجهود الاستجابة. ويتطلب بناء نظام وطني فعال لإدارة المخاطر وجود قاعدة بيانات جغرافية ومناخية وبيئية متكاملة ومُحدثة باستمرار. ولا تنطلق الجزائر من الصفر في هذا المجال، حيث يوجد اهتمام متزايد بنظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وتحليل البيانات، مع تركيز الأبحاث الأكاديمية على استخدام الذكاء الاصطناعي في دراسات الكوارث الطبيعية.
وتلعب الصور الفضائية دوراً حاسماً في هذا السياق، حيث تمكن من مراقبة مناطق واسعة يصعب تغطيتها بشكل مستمر على الأرض. ويمكن للصور الفضائية تتبع التغيرات في الغطاء النباتي، ورصد آثار الحرائق، ومقارنة الظروف قبل الكارثة وبعدها، بالإضافة إلى استخدام السلاسل الزمنية الطويلة لبناء قواعد بيانات لتعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما أن بناء قاعدة بيانات تاريخية دقيقة لمواقع الحرائق وشدتها والظروف التي سبقتها يمكن أن يحسن بشكل كبير من نماذج الذكاء الاصطناعي المستقبلية. ويُعد تطوير أدوات الوقاية والتنبؤ والرصد والإنذار المبكر أمراً ضرورياً يتجاوز الجوانب التقنية ليصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة حماية السكان والممتلكات، وهو ما تسعى الجزائر لتحقيقه من خلال هذه التقنيات المتقدمة.
الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمخاطر الطبيعية
يعتقد المتخصصون أن توسيع شبكة الجيل الخامس (5G) يعد أمراً حاسماً لأنظمة الإنذار المبكر، لما توفره من سرعة وكفاءة في نقل البيانات. وتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي ربط عوامل متعددة مثل درجة الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح ونوع الغطاء النباتي وطبيعة التضاريس والقرب من المناطق السكنية لتحديد المناطق التي تتطلب مراقبة أكبر، وذلك في سياق حرائق الغابات. كما يمكن للذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من البيانات، ومقارنتها بالبيانات التاريخية، وتحديد الأنماط المتكررة لبناء نماذج للتنبؤ بالمخاطر.
وأظهرت أبحاث سابقة في الجزائر إمكانية استخدام نماذج التعلم الآلي والشبكات العصبية للتنبؤ بحرائق الغابات بناءً على العوامل المناخية والبيئية. وتستخدم الأبحاث الحديثة الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية ورسم خرائط للغابات الجزائرية، مما يفتح آفاقاً للمراقبة والحماية وإدارة المخاطر. وتتميز خوارزميات الذكاء الاصطناعي بقدرتها على تحليل آلاف أو ملايين النقاط البيانية بسرعة تفوق القدرة البشرية، كاشفةً عن أنماط قد لا تكون مرئية بالعين المجردة.
يمكن جمع وتحليل بيانات مثل درجة الحرارة وسرعة الرياح والرطوبة وحالة الغطاء النباتي وصور الأقمار الصناعية ومعدلات هطول الأمطار لتحديد المناطق ذات مستويات المخاطر العالية. ويساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد المناطق الأكثر عرضة للاشتعال، خاصة خلال الفترات الحارة والجافة والرياح. ومع ذلك، لا يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالوقت والموقع الدقيقين للحريق، ولكنه قادر على التنبيه بأن منطقة معينة ذات خطورة عالية وتتطلب زيادة في المراقبة والاستعداد.
وتشير الدراسات العلمية في الجزائر إلى إمكانية التنبؤ بمخاطر الحرائق بدرجات متفاوتة، خاصة في تحديد مناطق الخطر بدلاً من التوقيت والموقع الدقيقين. وأظهرت دراسة حديثة أجريت على الكتلة الجبلية لجبل الوحش في ولاية قسنطينة إمكانية دمج البيانات المناخية وصور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية مع عوامل مثل التضاريس والغطاء النباتي والنشاط البشري لإنشاء خرائط قابلية الاشتعال. كما كشفت دراسة نُشرت عام 2026 حول منطقة الأوراس الشرقية عن إمكانية استخدام الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية لرسم خرائط قابلية حرائق الغابات بناءً على عوامل مثل الانحدار والاتجاه والغطاء النباتي والقرب من الطرق والمستوطنات، مما يوفر رؤى قيمة للمسؤولين.
تطبيقات عملية لمواجهة حرائق الغابات والفيضانات
تُشكل حرائق الغابات خطراً جسيماً يستدعي الاستعداد المستمر، لا سيما في المناطق الشمالية والشرقية من الجزائر التي تضم غابات شاسعة بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان. وتُعد الفيضانات خطراً كبيراً آخر، خصوصاً عندما تتسبب الأمطار الغزيرة في ارتفاع منسوب الأنهار وتجمع المياه في المناطق الحضرية. يمكن للأنظمة الذكية أن تدمج بيانات التضاريس ومجاري الأنهار والانحدار ونوع التربة وشبكات تصريف مياه الأمطار والمراكز السكانية، بالإضافة إلى بيانات هطول الأمطار، لتحديد المناطق المعرضة لتراكم المياه أو الفيضانات.
أظهرت دراسة جزائرية حديثة أُجريت على مدينة المسيلة إمكانية الجمع بين نظم المعلومات الجغرافية والتعلم الآلي لرسم خرائط مخاطر الفيضانات. كما استخدمت دراسة أخرى أُجريت على حوض سدراتة في ولاية ورقلة التعلم الآلي والتقييم القائم على البيانات لدراسة قابلية المنطقة للفيضانات. وفي سياق إدارة الكوارث، يمكن للذكاء الاصطناعي والخرائط الذكية المساعدة في تحديد المناطق التي قد تصبح معزولة أثناء الفيضانات، والطرق التي قد تُغلق، والمرافق التي تحتاج إلى حماية أو إخلاء، مما يسهل عملية اتخاذ القرار في حالات الطوارئ.
يسمح الكشف المبكر عن حريق في منطقة غابات نائية لفرق التدخل بالاستجابة بطرق مختلفة، مثل توجيه الموارد، وتحذير السكان القريبين، وفتح طرق الإخلاء، وهو ما يسهم في تقليل الخسائر البشرية والمادية. وتستطيع الخرائط الذكية تحديد المناطق القريبة من مجاري الأنهار، والمناطق المنخفضة، والأحياء الأكثر عرضة للفيضانات بسبب التوسع العمراني. ويساهم دمج الخرائط الذكية مع بيانات هطول الأمطار ومستويات المياه في توفير تحذيرات أكثر دقة ومبكرة للفيضانات. تُساعد الخريطة الذكية المسؤولين في تحديد مناطق الغابات الحساسة، ونقاط الفيضانات الساخنة، والمجتمعات السكانية، والطرق، والمرافق التي تتطلب الحماية، مما يعزز من قدرة الاستجابة السريعة والفعالة.
التحديات والمتطلبات نحو منظومة متكاملة
يتطلب تطوير منظومة متكاملة لإدارة الكوارث في الجزائر خريطة وطنية ذكية للمخاطر، تتسم بالديناميكية والتحديث المستمر، بدلاً من وثيقة جامدة. كما أن الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده دون بيانات موثوقة؛ فالخرائط القديمة أو معلومات المناخ المحدودة ستقيد قدرات النظام على التعلم والتنبؤ. وتُعد التحديات والمتطلبات الأساسية نحو منظومة متكاملة هي التنسيق بين مختلف القطاعات، إذ يمتلك كل قطاع (الأرصاد الجوية، الغابات، السلطات المحلية، وكالات التدخل) جزءًا من الصورة الكاملة. ويظل العنصر البشري محورياً في إدارة الكوارث، حيث تشير الخوارزميات إلى المناطق عالية الخطورة لكنها تفتقر إلى التفاصيل الميدانية. يجب النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لدعم اتخاذ القرار، لا كبديل للبشر. ويتمثل التحدي التالي للجزائر في الانتقال من الدراسات والنماذج التجريبية إلى أنظمة عملية للاستخدام اليومي. ويجب أن تصل نتائج خرائط المخاطر إلى غرف العمليات لتفيد ضباط الحماية المدنية ومسؤولي الغابات والسلطات المحلية والمخططين الحضريين، مما يضمن تطبيقها الفعال في الميدان.