يواجه مالي أزمة أمنية عميقة، حيث لا يزال مستقبل البلاد في توازن دقيق وهش بين تعقيدات داخلية وضغوط خارجية. هذه الأزمة الأمنية، التي تتسم بتعقيدات متزايدة، تهدد استقرار البلاد ومستقبلها السياسي والاقتصادي. وقد تحولت هذه الأزمة، التي بدأت تداعياتها منذ الانقلاب المالي عام 2012، إلى أزمة دولة بكل معنى الكلمة، حيث تتشابك فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية. تشهد مالي صراعًا متعدد الأوجه تتداخل فيه سلطة الدولة مع جماعات مسلحة ذات خلفيات متباينة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة ويضع تحديات جمة أمام أي مساعٍ لتحقيق الاستقرار.
في سياق هذه التطورات الإقليمية والدولية، أوضح الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في مقابلات إعلامية أن الرئيس المالي "لم يُسئ إلى الجزائر"، في إشارة إلى طبيعة العلاقات بين البلدين رغم التحديات الإقليمية. هذا التصريح يعكس حرص الجزائر على الحفاظ على علاقات مستقرة مع جيرانها، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتقلبة. ويأتي هذا التأكيد في ظل جهود الجزائر المستمرة لتعزيز الاستقرار في جوارها المباشر، لا سيما في منطقة الساحل الأفريقي التي تشهد اضطرابات واسعة النطاق وتحديات أمنية متصاعدة، مما يجعل دور الجزائر كوسيط إقليمي حاسمًا.
تطور الأزمة الأمنية والسياسية في مالي: من الانقلابات إلى تراجع سيادة الدولة
تواصل السلطة في باماكو الحفاظ على وجود محدود وتحت ضغط هائل، في تناقض صارخ مع التوسع المطرد لنفوذ جماعات مسلحة خطيرة مثل تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وتنظيم "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" في الأطراف والمناطق الهشة من البلاد. هذا التباين في السيطرة يعكس ضعف الدولة المركزية وصعوبة بسط نفوذها على كامل التراب المالي. وشهدت مالي منذ انقلاب عام 2012 مساراً تدريجياً نحو إعطاء الأولوية لمنطق العسكرة كإطار رئيسي لإدارة الأزمة، حيث تزايد الاعتماد على الحلول العسكرية على حساب المسارات السياسية. وقد عمق انقلابا 18 أغسطس 2020 و 24 مايو 2021 هذا التوجه العسكري، ما أثر بشكل كبير على استقرار البلاد وزاد من تعقيد المشهد السياسي والأمني، وأدى إلى تآكل الثقة بين الأطراف المختلفة.
تنشط في شمال ووسط مالي جماعات مثل تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويفرض تحديات مستمرة على القوات الحكومية والدولية. وفي الوقت نفسه، يتوسع تنظيم "الدولة الإسلامية" في الصحراء الكبرى، معتمداً على منطق المنافسة العنيفة مع منافسيه للسيطرة على مناطق النفوذ والموارد، مما يؤدي إلى تصاعد العنف والصراعات بين الجماعات المسلحة نفسها. وبالإضافة إلى هذه الجماعات الجهادية، توجد في مناطق مثل كيدال حركات محلية ذات طبيعة عرقية وسياسية، تسهم في ديناميكية الصراع المعقدة وتزيد من صعوبة إيجاد حلول شاملة. هذه الحركات، التي غالبًا ما تكون لها مطالب محددة، تتفاعل مع الجماعات الجهادية ومع الدولة بطرق مختلفة، مما يجعل المشهد الأمني غير مستقر ومتغيرًا باستمرار.
لقد ازدادت أنشطة تنظيم "الدولة الإسلامية" في الصحراء الكبرى بشكل ملحوظ، مما أدى إلى تعقيد الوضع الأمني والإنساني في البلاد، وتسبب في نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدهور الأوضاع المعيشية. وفي مواجهة هذا التحدي المتصاعد، لجأ الجيش المالي إلى تنفيذ عمليات عسكرية مضادة من مواقعه في باماكو، بهدف استعادة السيطرة على المناطق المتأثرة ومواجهة تمدد هذه الجماعات. وقد جاء هذا التصعيد في سياق انتهاء عملية "برخان" الفرنسية، والتي أُعلن عن نهايتها في أغسطس 2022، مما ترك فراغاً أمنياً كبيراً في المنطقة، استغلته الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها وتوسيع عملياتها. هذا الفراغ أدى إلى تغييرات جذرية في استراتيجيات الأمن الإقليمية والدولية في مالي والساحل.
تراجع الحلول السياسية وبروز التدخلات العسكرية: تحولات في المشهد الأمني
تراجع فعالية الحلول السياسية في مالي بشكل ملحوظ، وتحديداً مسار اتفاق الجزائر للسلام في مالي المُوقّع في يونيو 2015، الذي شهد تجميداً ملحوظاً في بنوده. هذا التراجع في المسار السياسي تزامن مع انسحاب عملية "برخان" الفرنسية من البلاد، مما أحدث تحولاً كبيراً في ديناميكيات الأمن. وفي ظل هذا الفراغ الأمني والسياسي، ظهرت أدوار جديدة على الساحة الأمنية، أبرزها مجموعة "فاغنر" الروسية التي بدأت في الانخراط في البلاد. وقد تنوعت قائمة الشركاء الأمنيين لمالي بشكل كبير، خاصة مع انخراط "فاغنر" منذ أواخر عام 2021، مما يشير إلى تحول في استراتيجية باماكو الأمنية والاعتماد على شركاء جدد.
شهد مسار اتفاق الجزائر للسلام في مالي تراجعاً واضحاً، حيث جرى تجميد بعض بنوده منذ عام 2023، مما أثر سلبًا على جهود المصالحة والاستقرار. وقد أدى انسحاب عملية "برخان" الفرنسية إلى ظهور نمط جديد لاستبدال الأمن من خلال شركاء خارجيين مثل مجموعة "فاغنر" الروسية، التي بدأت في تقديم الدعم العسكري والأمني للحكومة المالية. عقب تاريخ 25 أبريل 2026، تصاعدت الأحداث في شمال البلاد، مسجلة تصعيداً جديداً في العمليات العسكرية والاشتباكات، مما يعكس تدهورًا أمنيًا مستمرًا.
في منطقتي كيدال وغاو، نفذت حركات أزواد هجمات مركزة استهدفت مواقع الجيش المالي، مما أدى إلى سقوط ضحايا وتفاقم التوتر في هذه المناطق الحيوية. هذا التصعيد يؤكد على تعثر تنفيذ بنود اتفاق الجزائر للسلام في مالي، مما أدى إلى تدهور مسارات التفاهمات السابقة بين الأطراف المتنازعة. هذه التطورات تشير إلى تحول عميق في الديناميكيات الأمنية والسياسية في البلاد، مع تزايد الاعتماد على الحلول العسكرية وتراجع فعالية الأطر السياسية القائمة التي كانت تهدف إلى تحقيق السلام الشامل والمستدام.
اتفاق الجزائر كإطار للسلام والاستقرار: تحديات التنفيذ
يعتمد اتفاق الجزائر للسلام في مالي، المُبرم عام 2015، على تسوية سياسية شاملة تتضمن مبادئ اللامركزية وتقاسم السلطة بين الأطراف المعنية في البلاد. وقد صُمم الاتفاق كإطار يهدف إلى معالجة جذور الصراع من خلال آليات سياسية تضمن مشاركة أوسع لجميع المكونات المجتمعية، بما في ذلك الحركات المحلية في الشمال. كان الهدف الأساسي للاتفاق هو بناء الثقة وإعادة دمج المناطق المهمشة في النسيج الوطني، وتوفير أساس للحكم الرشيد وتعزيز التنمية المستدامة.
ويُعتبر اتفاق الجزائر للسلام في مالي لسنة 2015 الإطار الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والحركات المحلية، وذلك بفضل مكوناته التي تستهدف دمج الأطراف المختلفة في العملية السياسية والأمنية. هذا المسار كان يهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد عبر معالجة المطالب المحلية المشروعة، وتوفير آليات مؤسسية لحل النزاعات، وتعزيز المصالحة الوطنية. الاتفاق نص على إصلاحات دستورية ومؤسسية تضمن تمثيلاً عادلاً وتوزيعًا للموارد، مما كان من شأنه أن يقلل من أسباب التوتر والصراع.
إن تراجع هذا المسار وفعاليته يفتح الباب أمام توسع نفوذ الفاعلين المسلحين في مالي، كما يزيد من تداخل الأجندات الإقليمية والدولية داخل البلاد، مما يعقد جهود إحلال السلام والاستقرار. هذا التراجع يهدد بتقويض أي تقدم نحو تسوية سياسية دائمة، ويزيد من خطر الانزلاق إلى دوامة أعمق من العنف وعدم الاستقرار، حيث تستغل الجماعات المسلحة الفراغ السياسي والأمني لتعزيز سيطرتها. كما أن تجميد بنود الاتفاق يبعث برسالة سلبية حول إمكانية الحلول السلمية، ويدفع الأطراف نحو مزيد من العسكرة.
دور الجزائر الإقليمي وتصريحات الرئيس تبون: وساطة في مهب الريح
تراجع دور الجزائر كوسيط إقليمي بشكل ملحوظ، وذلك رغم خبرتها الطويلة في إدارة الوساطات منذ عام 2014، والتي اكتسبتها من خلال جهودها الدبلوماسية في المنطقة. هذا التراجع يأتي في ظل التطورات المعقدة التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي ومالي على وجه الخصوص. كانت الجزائر قد اضطلعت بدور محوري في صياغة اتفاق الجزائر للسلام في مالي عام 2015، والذي كان يهدف إلى تحقيق تسوية سياسية شاملة ومستدامة بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية. إلا أن تجميد بنود هذا الاتفاق منذ عام 2023 وتصاعد العمليات العسكرية في مالي قد ألقى بظلاله على قدرة الوساطة الجزائرية على تحقيق تقدم ملموس.
يأتي هذا التراجع في وقت يتزايد فيه نفوذ الجماعات المسلحة وتتوالى التدخلات الخارجية، مما يقلل من المساحة المتاحة للحلول السياسية التي طالما سعت الجزائر لتعزيزها في المنطقة. الجزائر، التي لطالما دافعت عن حلول سلمية مبنية على الحوار والتفاوض، تجد نفسها أمام مشهد إقليمي يتسم بتعقيدات متزايدة وصراعات متعددة الأطراف. التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، حول علاقة بلاده بمالي، تؤكد على رغبة الجزائر في الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، لكنها لا تخفي التحديات الجسيمة التي تواجه أي جهود وساطة في ظل الأوضاع الراهنة. إن استمرار الصراع في مالي وتدهور الوضع الأمني يشكلان تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار الجزائر نفسها، مما يدفعها إلى مراقبة الوضع عن كثب ومحاولة إيجاد سبل جديدة للمساهمة في تحقيق السلام.