استعادة الهوية: ضرورة تأصيل التعليم والإعلام في المجتمعات المسلمة

يُطرح نقاشٌ حيوي ومُلِحّ حول ضرورة تأصيل التعليم والإعلام في المجتمعات المسلمة، مؤكدًا أن التعليم قطاع سيادي يجب على الدولة تبنيه بالكامل. هذا التأكيد على سيادة التعليم ينبع من رؤية أعمق ترى في هذا القطاع حجر الزاوية في بناء هوية الأمة ومستقبلها. ويرى هذا المنظور أن المجتمعات يجب أن تمتلك رؤيتها المعرفية المميزة المستندة إلى ثوابتها وهويتها الخاصة، والتي تُشكل درعًا واقيًا ضد التأثيرات الخارجية المهددة لنسيجها الثقافي والاجتماعي. ويُشير إلى أن التخلي عن التعليم من منظور الوحي الإلهي، وما تبعه من تدهور لتعليم الأزهر الشريف، قد شكّل خسارة كبيرة لا يمكن تقديرها للمجتمعات المسلمة، إذ أفقدها بوصلتها المعرفية والروحية. ويُحذر من أن التخلي عن هذا المسار الأصيل يحمل تداعيات خطيرة لا تقتصر على الجانب الثقافي فحسب، بل تمتد لتطال أمن الأمة وشعوبها واستقرارها. كما يرى أن المجتمعات التي تفتقر إلى أسس مفاهيمية ثابتة للحياة، مستمدة من رؤيتها الخاصة، تكون عرضة لتحولات وتناقضات جذرية، وهي سمة مميزة للمجتمعات غير المسلمة التي غالبًا ما تفتقر إلى هذا الإطار المرجعي الثابت. ويُشدد هذا الرأي على أن الأنظمة الدولية لا ينبغي لها أن تخترق البنية الثقافية للمجتمعات المسلمة، وأن الحفاظ على هذه البنية هو جزء لا يتجزأ من صيانة الهوية والسيادة الوطنية.

تحديات التعليم وفقدان البوصلة

تُعد مواكبة التطورات العلمية ودمجها في النظام التعليمي للأمة ضرورة حتمية، ويجب على السلطات التعليمية أن تضع ذلك في صميم أولوياتها لضمان تطور المناهج وبقائها ذات صلة بالعصر. ومع ذلك، يرى البعض أن مصر دخلت نفقاً مظلماً منذ أن سمحت لحملة نابليون بالتأثير على حياتها الفكرية، مما ترك بصمات عميقة لا تزال واضحة على مسارها الثقافي والتعليمي حتى اليوم، وأثر على توجهات التعليم فيها بشكل جذري. وتشير نتائج فشل الطلاب في مواد الهوية الوطنية، مثل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية، إلى وجود انقسام عميق في الهوية المصرية، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية المناهج الحالية وقدرتها على ترسيخ الانتماء والقيم الأساسية.

في هذا السياق، ناقش عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" "مشكلة الامتحانات"، لكنه لم يركز على جوانب أوسع وأعمق للتعليم، بل اقتصر نقاشه على آلية التقييم. واعتبر طه حسين الامتحان شراً لا بد منه، مما يعكس وجهة نظر حول ضرورته رغم عيوبه المحتملة وقصوره عن تقييم الجوانب الشاملة للتعلم.

ينتقد المقال بشدة الازدواجية بين "الفهم والحفظ" في التعليم، مشيراً إلى أنها قد لا تحقق الأهداف التعليمية المرجوة، بل قد تخلق جيلاً قادرًا على استظهار المعلومات دون استيعابها أو القدرة على تطبيقها. وتتغافل معظم المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي عن البعد الروحي، وتكون منغمسة في شكليات عديمة الفائدة إلى حد كبير، بحسب ما يرى البعض، مما يفقد العملية التعليمية جوهرها وهدفها الأسمى. ويعتبر الأشخاص غير المدركين لحقائق الوجود التي أرسلها الله، والمتمثلة في الوحي، ضائعين ويبحثون عن الطمأنينة والأمان في غير مظانها. ويُشار إلى أن التعليم والإعلام يحيدان عن "العقل الكوني" إذا لم يتماشيا معه، مما يؤكد أهمية الانسجام بين هذه الركائز الأساسية للمجتمع وبين الرؤية الكونية الشاملة التي تقدمها التعاليم الإلهية. إن تأسيس المعرفة على أساس الإيمان بالله ورسوله من شأنه أن يستعيد الروح المفقودة للتعليم في هذه المجتمعات، ويمنحه غايته ومعناه.

الإعلام: ضياع في بحر الأخبار والذكاء الاصطناعي

يُقال إن الصحفيين يغرقون في الثقافة السياسية، وينصح البعض بقراءة الروايات الأدبية كوسيلة للهروب من هذا التأثير الطاغي والانفتاح على آفاق أوسع من الفهم الإنساني. ويرى آخرون أن العلماء مؤهلون بشكل أفضل لتقديم المشورة والتوجيه للصحفيين مقارنة بالصحفيين أنفسهم، وذلك نظرًا لعمق معرفتهم وشمولية رؤيتهم. ويُلاحظ أن شخصيات إعلامية غالبًا ما تركز فقط على الأخبار وفن طرح الأسئلة، حتى أنها تشكك في اللغة العربية الفصحى، مما يعكس قصورًا في رؤيتها لدور الإعلام وأهمية اللغة كوعاء للهوية والثقافة. وتُعد صفات مثل توسيع الآفاق الإنسانية والعلمية، وتحسين الخطاب، والأخلاق، والحرية نادرة في عالم الإعلام المعاصر، الذي أصبح يركز على السرعة والإثارة على حساب العمق والمحتوى الهادف.

وقد أصبح الإعلام يشبه الذكاء الاصطناعي في قدرته على التعلم والابتكار، وجمع المعلومات ومعالجتها، لكنه لا يقدم النقد البناء أو التوجيه الأخلاقي، بل يكتفي غالبًا بعرض الحقائق أو الآراء دون تحليل عميق أو رؤية واضحة. ويُشار إلى أن الذكاء الاصطناعي هو أداة قوية ومبتكرة، لكنه ليس مصدرًا للمعرفة الأصيلة أو الحكمة الإنسانية، بل هو انعكاس لما يُغذى به من بيانات. ويُحذر من أن البشرية تخاطر بفقدان اتصالها بـ "العقل الكوني" إن انفصلت عن خالقها، وهو ما ينطبق على الإعلام أيضًا، فإذا لم يكن متصلاً بالحقائق الكونية، فإنه سيضل عن مساره الصحيح. إن الناس الذين لا يدركون حقائق الوجود التي أرسلها الله هم في حالة ضياع، ويبحثون عن الطمأنينة والأمان في أماكن خاطئة، والإعلام الذي لا يوجههم إلى هذه الحقائق يزيد من ضياعهم.

أسس المعرفة الروحية والهوية الأصيلة

تؤمن المجتمعات المسلمة بأنها تمتلك حقائق حول الوجود متجذرة في الوحي الإلهي، وقد أثبتت هذه الحقائق فعاليتها عبر التاريخ الطويل في بناء حضارات قوية ومستقرة. ويُعتقد أن تأسيس المعرفة على أساس الإيمان بالله ورسوله من شأنه أن يستعيد الروح المفقودة للتعليم في هذه المجتمعات، ويعيد له هدفه الأسمى في تنشئة الإنسان الصالح والمثمر. يتطلب التقييم المصاحب للعملية التعليمية بالنسبة للمسلم تعقيدًا خاصًا، يستلزم مراعاة الأبعاد الروحية والهدف من خلق الإنسان، وليس مجرد قياس القدرة على استظهار المعلومات. كما أن التعامل مع الأحداث الجارية في العالم يتطلب قاعدة معرفية واسعة وعميقة، تبدأ بتعاليم الأنبياء والمرسلين، الذين وضعوا الأسس الأخلاقية والمعرفية للحياة البشرية.

يُعد الارتباط بالله بمثابة البوصلة التي توجه الصحفيين في خضم بحر الأحداث والأخبار المتلاطم، وتمنحهم معيارًا ثابتًا للتمييز بين الحق والباطل، وبين ما هو نافع وما هو ضار. يواجه المثقفون معضلة بين عالمهم الخاص الذي يمثل قناعاتهم ومبادئهم، ومجالهم العام الذي يتطلب منهم التفاعل مع المجتمع والتأثير فيه، مما يعكس تحديًا في كيفية التوفيق بين هذين المجالين. في المجتمعات المسلمة، يعمل المثقفون الذين يؤمنون بمبادئ ثابتة مستمدة من الوحي على سد الفجوة بين عالمهم الخاص ومجالهم العام، ويسعون لنشر تلك الثقافة وترسيخها في نفوس الناس، ليصبحوا بذلك قادة فكر حقيقيين. ويُعتبر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مثالًا للمثقف الذي لم يعانِ من هذا الانقسام المذكور بين الخاص والعام، فقد كانت حياته كلها رسالة متكاملة لا انفصال فيها بين القول والعمل، أو بين القناعة والسلوك. ويُلاحظ وجود وضع نادر في المجتمعات المسلمة، حيث يمكن للمثقفين أن يختبروا عزلة إيجابية عندما ينحرف المجتمع عن مبادئه الأساسية، وهي عزلة تمنحهم الفرصة للتفكير والتأمل والعودة إلى الجذور لتقديم الحلول.

نحو رؤية متكاملة للمستقبل

يُطرح رأي مفاده أن الأنظمة الدولية لا ينبغي لها أن تخترق البنية الثقافية للمجتمعات المسلمة، بل يجب أن تُحترم خصوصيتها وهويتها الفريدة. ويُشير هذا الرأي إلى أهمية الحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمعات المسلمة في مواجهة التأثيرات الخارجية التي غالبًا ما تسعى إلى توحيد الثقافات وتنميطها. وفي سياق متصل، يُنصح بالتركيز على الذات وترك الجماهير عند مواجهة تحديات مثل الجشع والشهوات التي تغزو المجتمعات، وذلك للحفاظ على نقاء الفكر والقلب. وقد أشار النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك بقوله: "إِذَا رَأَيْتَ شُحَّاً مُطَاعَاً، وَهَوَىً مُتَّبَعَاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلَاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ". هذا الحديث النبوي الشريف يقدم خريطة طريق للمثقفين والأفراد في أوقات الفتن، داعيًا إلى الثبات على المبادئ والتركيز على إصلاح الذات أولاً، مع إدراك أن العمل الصالح في مثل هذه الظروف يحمل أجرًا عظيمًا. إن هذه الرؤية المتكاملة للتعليم والإعلام، المستمدة من أصول الوحي، هي السبيل لاستعادة الهوية وتحقيق الأمن الفكري والروحي للمجتمعات المسلمة.