إصلاح المجلس الوطني الفلسطيني: عملية معيبة تهدد بتعميق الانقسام

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المشوّهة وخيبات الأمل
الصورة عبر Echoroukonline

يثير ملف إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وعمليته الانتخابية مؤخرًا تساؤلات جدية حول مستقبل هذه المؤسسة وحول مدى احترام إرادة الفلسطينيين وحقهم في اختيار ممثليهم. تأسس المجلس الوطني الفلسطيني عام 1964 كأحد أهم الأطر الوطنية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يمثل رمزًا للتمثيل والشرعية الوطنية للفلسطينيين عبر عقود طويلة، وفقًا للمقال. ويشير المقال إلى أن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى تجديد المجلس، بل في الطريقة التي تتم بها العملية والممارسات التي رافقتها، والتي أثارت شعوراً واسعاً بأن "العملية الانتخابية يجري توجيهها بما يفرغها من مضمونها الديمقراطي". هذه التطورات الأخيرة المتعلقة بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وعمليته الانتخابية هي ما يطرح هذه التساؤلات الملحة حول طبيعة التمثيل الفلسطيني ومستقبله.

جوهر العملية الديمقراطية المفقود

تعتبر الانتخابات في أي نظام ديمقراطي جوهريًا حول احترام إرادة الناخبين، حيث تشكل هذه الإرادة الأساس الذي تبنى عليه شرعية التمثيل. وعندما تكون التشكيلات محددة مسبقًا بتوافقات سياسية وحسابات فصائلية، مع تهميش أولئك الذين يملكون حق الاختيار، فإن العملية تفقد جوهرها الديمقراطي الأساسي، مما يقوض مبدأ المشاركة الحرة. وقد خلقت الممارسات الأخيرة انطباعًا بوجود محاولات للتأثير على العملية الانتخابية للمجلس الوطني الفلسطيني والتحكم بها، مما يثير تساؤلات حول شفافية ونزاهة النتائج المتوقعة. هذه المحاولات الملحوظة للسيطرة على المسار الانتخابي تُفرغ العملية من أي معنى للديمقراطية الحقيقية، وتحولها إلى مجرد إجراء شكلي لا يعكس الإرادة الشعبية.

يتعارض استخدام النفوذ الإداري أو السياسي، أو التلاعب بآليات الاختيار، أو تقييد الخيارات المتاحة، أو ترتيب العملية لصالح أطراف معينة، مع روح الانتخابات ومبادئها الديمقراطية التي تقوم على تكافؤ الفرص. إن استبعاد أي طرف فلسطيني من هذه العملية لا يؤدي إلى اختفائه، بل يدفعه للبحث عن أطر أخرى للتعبير عن نفسه، الأمر الذي يزيد من الانقسام المؤسسي القائم ويقلل من ثقة الجمهور في الهيئات التمثيلية. هذا التهميش الممنهج لا يخدم سوى أجندات ضيقة، ويُضعف البنية الوطنية الجامعة التي يفترض أن يمثلها المجلس.

تمثيل الشعب الفلسطيني ووحدته

يُفترض أن يمثل المجلس الوطني الفلسطيني جميع الفلسطينيين، وليس فقط السلطة الفلسطينية، أو فصيلاً معيناً، أو مجموعة مختارة من القوى السياسية. وتؤكد مصادر مطلعة أن السلطة الفلسطينية، كجزء من المنظومة السياسية، لا ينبغي لها أن تحدد مسبقاً من يمثل الشعب الفلسطيني. إن هذا الدور يجب أن يكون نابعاً من إرادة الشعب نفسه عبر آليات ديمقراطية حقيقية، لا من قرارات تتخذها جهة واحدة، مهما كان موقعها. إن محاولة حصر التمثيل في فئة معينة يُعد خروجاً عن المبدأ الأساسي الذي تأسس عليه المجلس الوطني الفلسطيني كإطار جامع لكل ألوان الطيف الفلسطيني.

لا تقتصر القضية الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث لم تُنشأ منظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل منطقة جغرافية محددة. ويُشدد على أن الشعب الفلسطيني واحد، وأن الشتات جزء لا يتجزأ منه. لذلك، فإن أي عملية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني لا تضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم ستظل ناقصة وغير مكتملة. إن تجاهل هذا البعد الجغرافي والديموغرافي الواسع يعني تجاهل جزء كبير من الشعب الفلسطيني الذي يمتلك الحق الأصيل في اختيار ممثليه والمشاركة في تقرير مصيره. فالوحدة الوطنية لا يمكن تحقيقها دون إشراك كافة مكونات الشعب الفلسطيني أينما كانت.

مخاطر الانقسام وتداعياته

يُعد تعميق الانقسام الفلسطيني أبرز المخاطر المحتملة لعملية إصلاح المجلس الوطني الفلسطيني، إذ من الممكن أن تتحول الانتخابات إلى أداة جديدة لتأجيج هذه الانقسامات بدلاً من تسويتها. هذا التوجه يهدد بتقويض أي جهود سابقة أو مستقبلية لتحقيق الوحدة الوطنية. ويشدد مراقبون على الحاجة إلى مجلس وطني فلسطيني يفتح أبوابه أمام الجميع، دون استثناء أو إقصاء لأي طرف فلسطيني. فالبناء على مبدأ الشمولية يضمن تمثيلاً أوسع وأكثر شرعية، بدلاً من تدوير الأعضاء القدامى أو الاعتماد على سياسات الإقصاء التي قد تزيد من حدة الانشقاقات القائمة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح هذه الانتخابات المزمعة سبباً لزيادة الشرخ الفلسطيني بدلاً من أن تكون جسراً للوحدة والتقارب.

دعوة لآلية تمثيل حقيقية

يدعو المقال إلى إجراء انتخابات حقيقية أو تبني آلية ديمقراطية متفق عليها، تضمن حق كل فلسطيني في المشاركة الفاعلة. ويُشدد على ضرورة وجود معايير واضحة للترشح والاختيار، مع التأكيد على أهمية الشفافية وخضوع العملية للرقابة بعيداً عن أي تدخلات أو ضغوط، وذلك لضمان تمثيل حقيقي لإرادة الشعب الفلسطيني. ويُبرز المقال أن المشكلة الأساسية تكمن في أن "المجلس الوطني يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني كله، لا السلطة الفلسطينية وحدها، ولا فصيلاً بعينه". ويُضيف أن "المشكلة ليست في الدعوة إلى تجديد المجلس أو تطوير مؤسسات منظمة التحرير؛ فهذا مطلب وطني طال انتظاره، وإنما في الطريقة التي تتم بها العملية". إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب التزاماً حقيقياً بالمبادئ الديمقراطية، ووضع مصلحة الشعب الفلسطيني فوق أي اعتبارات فصائلية أو سياسية ضيقة، لضمان بناء مؤسسة تمثيلية قوية وموحدة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب.