تطالب الرباط منذ عقود بعودة سبتة ومليلية كجزء من الأراضي المغربية، مؤكدة على أن المدينتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المغربية. وبموجب السيادة الإسبانية الحالية، تجعل المدينتان المغرب جاراً مباشراً للاتحاد الأوروبي، متصلاً عبر حدود برية مرتبطة بنظام شنغن. هذه الحدود البرية المباشرة مع الاتحاد الأوروبي في إفريقيا تمنح المغرب موقعاً جيوسياسياً فريداً. إسبانيا هي القوة الاستعمارية السابقة للصحراء الغربية ولديها حدود برية مباشرة مع المغرب في إفريقيا، مما يعزز من تعقيد العلاقة بين البلدين ويبرز التداخل التاريخي والجغرافي. توجد حالياً حدود إسبانية وأوروبية في قلب الأراضي المغربية، مما يجعل أي اضطراب محتمل في هذه المناطق قضية أوروبية مباشرة تتطلب اهتماماً فورياً. يمنح وجود سبتة ومليلية المغرب بوابة جغرافية مباشرة إلى أوروبا، مما يمنحه تأثيراً على ملف الهجرة الحساس خلال الأزمات، ويضعه في موقع استراتيجي يمكنه من خلاله التأثير على السياسات الأوروبية والإسبانية.
أداة ضغط في الأزمات الأوروبية
أظهرت أزمة سبتة عام 2021 أن تدفقات الهجرة يمكن اعتبارها أداة ضغط مغربية على إسبانيا في سياق النزاعات، بما في ذلك قضية الصحراء الغربية. وقد ذكّرت أزمة سبتة عام 2021 والتوترات ذات الصلة حول الهجرة والحدود أوروبا بالموقع الحساس للمدينتين وارتباط أمنهما بالتعاون مع المغرب. في عام 2026، استمرت هذه التوترات لتُذكّر أوروبا مجدداً بأهمية المدينتين الحساسة وارتباط أمنهما الوثيق بالتعاون الفعال والمستمر مع المغرب، مما يؤكد على الطبيعة المستمرة لهذه الديناميكية الجيوسياسية. يسيطر المغرب على المنطقة الجغرافية المحيطة بسبتة ومليلية، ويمتلك أدوات مؤثرة في ملفات الهجرة والعبور والأمن ومكافحة التهريب، مما يمنحه نفوذاً كبيراً في التعامل مع هذه القضايا الحيوية التي تهم الأمن الأوروبي بشكل مباشر. كما برهنت أزمة 2021 على إمكانية استخدام الهجرة في سياق صراع سياسي يتعلق بالصحراء الغربية، حيث يمكن أن تتحول قضايا إنسانية إلى أوراق ضغط دبلوماسية مؤثرة في العلاقات الثنائية والإقليمية. الوجود الدائم لسبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية يجعل المغرب بوابة جغرافية مباشرة إلى أوروبا، مما يعزز قدرته على التأثير في ملف الهجرة الحساس خلال الأزمات، ويمنحه وضعاً استراتيجياً في أي مفاوضات مستقبلية. وقد يجعل الوضع الجيوسياسي الراهن، الذي يشمل استمرار السيادة الإسبانية على المدينتين، الوضع الحالي مفيداً للمغرب في الوقت الراهن، حيث يحتفظ بنقاط ضغط استراتيجية يمكن استغلالها في سياقات مختلفة.
فقدان النفوذ الجيوسياسي عند الاستعادة
إذا انتقلت السيادة على سبتة ومليلية إلى المغرب، أو أصبحت سيادة مشتركة مع إسبانيا، فإن الرباط ستفقد إحدى نقاط الاحتكاك المباشرة مع أوروبا. هذا التحول يعني أن المغرب لن يكون لديه حدود برية مباشرة مع الاتحاد الأوروبي عبر الأراضي الإسبانية في إفريقيا، والتي يمكن أن تتحول إلى أزمة أوروبية مباشرة تستدعي استجابة من بروكسل. بذلك، سيختفي الوجود الإسباني والأوروبي في قلب الأراضي المغربية، والذي كان يمثل في السابق أداة ضغط استراتيجية للمغرب يتيح له جذب الانتباه الأوروبي للقضايا التي تهمه. في حال أصبحت سبتة ومليلية مغربيتين بالكامل، فلن تكون هناك حدود إسبانية في إفريقيا يمكن أن تتحول إلى أزمة أوروبية مباشرة، مما يقلل من قدرة المغرب على إثارة اهتمام بروكسل بشكل مباشر وفعال. فقدان هذا الوضع يقلل من قدرة المغرب على استغلال قضايا مثل الهجرة كوسيلة للضغط على مدريد أو بروكسل في النزاعات الثنائية أو الإقليمية، حيث سيفقد المغرب جزءاً كبيراً من نفوذه الجيوسياسي الذي اكتسبه بفضل هذا الوضع الفريد. القيمة الجيوسياسية والنفوذ الذي توفره سبتة ومليلية كأداة ضغط ستُفقد من قبل المغرب إذا أصبحت المدينتان مغربيتين بالكامل، مما يغير بشكل جذري ميزان القوى في المنطقة ويقلل من الأوراق التي يمتلكها المغرب في مفاوضاته مع الشركاء الأوروبيين.
حدود التفاوض بين المصالح الأوروبية والمغربية
لا يمكن اعتبار قضية الصحراء الغربية ملفاً قابلاً للمساومة بين المصالح الأمنية والاقتصادية لأوروبا والتعاون المغربي في مجالات الهجرة والأمن. هذا يؤكد على الحدود التي يمكن للمغرب أن يدفع بها في مفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا، حيث أن بعض القضايا تعتبر غير قابلة للتصرف أو التنازل من منظور دولي، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الشعوب وتقرير المصير. إن هذا التحديد للمساحات التفاوضية يضع إطاراً واضحاً للعلاقات المستقبلية ويمنع تجاوز الخطوط الحمراء المعترف بها دولياً.
وعلى الرغم من أن قضايا الهجرة والأمن والحدود يمكن أن تستخدم كأوراق ضغط من قبل المغرب في مفاوضاته، إلا أن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير لا يُعد ورقة مساومة. يشير هذا الموقف إلى أن هناك خطوطاً حمراء في الدبلوماسية لا يمكن تجاوزها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبادئ القانون الدولي وحقوق الشعوب، حتى في سياق المناورات الجيوسياسية التي تشمل مدينتي سبتة ومليلية. هذا التمييز بين القضايا القابلة للتفاوض وتلك غير القابلة للتنازل عنها يحدد الإطار الذي يجب أن تتحرك فيه العلاقات بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ويضع قيوداً على المدى الذي يمكن للمغرب أن يمارس فيه نفوذه الجيوسياسي، مؤكداً على أهمية الالتزام بالمعايير الدولية في العلاقات الدبلوماسية.