مؤرخ فرنسي: سياسات ماكرون تجاه الجزائر أدت إلى أزمات دبلوماسية متكررة

France’s Western Sahara Shift: Macron Miscalculated Algeria’s Reaction
الصورة عبر Echoroukonline

وصف المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا منهج الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه الجزائر بأنه "غير متسق"، وذلك في مقابلة نُشرت يوم الخميس. جاءت تصريحات ستورا ضمن تحقيق من ثلاث صفحات بعنوان "الانتخابات الرئاسية: الجزائر، ساحة معركة لعام 2027" في صحيفة L’Opinion الفرنسية. في هذه المقابلة، أكد ستورا أن سياسات ماكرون تجاه الجزائر اتسمت بـ "تقلبات حادة" و "نفاد صبر"، مما أثر سلباً على مسار العلاقات الثنائية.

وأوضح ستورا أن سياسات ماكرون "غذت الجروح غير الملتئمة، والحنين إلى العظمة الفرنسية، والتركيز المتزايد على سياسات الهوية". وأشار إلى أن ماكرون "سار على خطى معسكره السياسي الأصلي، اليسار، وأظهر رغبة حقيقية في المضي قدمًا". لكنه استدرك بالقول: "كل هذا انهار عندما اعترف ماكرون بالسيادة المزعومة للنظام المغربي على الصحراء الغربية في أكتوبر 2024". وشدد ستورا على أن "موقف فرنسا من الصحراء الغربية عكس هذا الزخم فجأة". وأضاف أن "الذاكرة المهملة تنتقل بشكل سيئ وتغذي في النهاية أوهام الهوية. لذلك، يجب حل هذه المسألة".

تقييم ستورا لنهج ماكرون الدبلوماسي

اعتبر المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا أن الرئيس إيمانويل ماكرون أخطأ في تقدير التداعيات الدبلوماسية لموقفه من الصحراء الغربية قبل عامين. وذكر ستورا أن باريس، في رأيه، أخفقت في استيعاب التبعات طويلة المدى لخياراتها الدبلوماسية الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بموقف ماكرون من قضية الصحراء الغربية. هذا الفشل في التقدير، بحسب ستورا، أسهم في تعقيد العلاقات بين البلدين بشكل كبير.

ووصف ستورا نهج ماكرون تجاه الجزائر بأنه اتسم بـ "تقلبات حادة" و "نفاد صبر"، مما يعكس عدم وجود استراتيجية ثابتة وواضحة. كما أشار إلى أن الرئيس الفرنسي ربما يكون قد قلل من شأن الثقل العاطفي والسياسي للإرث الاستعماري المشترك الذي يربط المجتمعين، وهو عامل حاسم في ديناميكية العلاقات الفرنسية الجزائرية. في سياق متصل، عادت الجزائر لتصبح موضوعاً رئيسياً في سياق السياسة الداخلية الفرنسية، وذلك مع اقتراب السباق الرئاسي لعام 2027، مما يبرز أهمية هذا الملف في الأجندة السياسية الفرنسية. هذا الأمر يعكس استمرار تأثير الملف الجزائري على المشهد السياسي الفرنسي، ويؤكد على أن قضية الجزائر ظلت تهيمن على النقاش السياسي منذ عهد شارل ديغول، ولم تختف إلا لتعود بقوة في أوقات حاسمة.

محاولات المصالحة وتداعيات الصحراء الغربية

أصبحت العلاقات الفرنسية الجزائرية محاصرة في دورة من الأزمات المتكررة. وذكر المؤرخ بنجامين ستورا أن جهود المصالحة انهارت عندما اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المزعومة للنظام المغربي على الصحراء الغربية في أكتوبر 2024. وقد أدى موقف فرنسا من الصحراء الغربية إلى عكس هذا الزخم فجأة، مما ألغى التقدم الذي أُحرز بصعوبة في السابق.

كانت هناك محاولات سابقة لتعزيز العلاقات؛ ففي إطار مبادرات المصالحة، أحيا ماكرون ذكرى المتظاهرين الجزائريين الذين قتلوا في باريس يوم 17 أكتوبر 1961، في خطوة رمزية نحو الاعتراف بآلام الماضي. واحتفل ماكرون أيضاً بالذكرى الستين لتوقيع اتفاقيات إيفيان (Evian Accords) بخطاب رئيسي ألقاه في قصر الإليزيه بتاريخ 19 مارس 2022، مما يعكس رغبة في طي صفحة الماضي وبناء مستقبل أفضل. هذه المبادرات كانت تهدف إلى معالجة الجروح التاريخية العميقة التي تركتها فترة الاستعمار والحرب، والتي لا تزال تؤثر على العلاقات بين البلدين.

وأظهرت الجزائر استعدادها للتعامل البناء مع باريس، بما في ذلك إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين، بهدف معالجة القضايا التاريخية العالقة بشكل منهجي. وقد دعم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذه المبادرة بقوة، مما يؤكد التزام الجزائر بتعزيز الحوار التاريخي. وتسيطر قضية الجزائر على النقاش السياسي منذ عهد شارل ديغول، مما يبرز عمق تأثيرها على المشهد السياسي الفرنسي. الجدير بالذكر أن قضية الجزائر غابت إلى حد كبير عن النقاش السياسي الفرنسي حتى حملة نيكولا ساركوزي الانتخابية في عام 2007، عندما عادت لتتصدر الأجندة السياسية، مما يؤكد أنها قضية لا يمكن تجاهلها في أي سياق سياسي فرنسي.

الذاكرة التاريخية وتأثيرها على العلاقات

لا تزال الذاكرة التاريخية غير المحسومة تغذي التوترات الهوياتية على جانبي البحر الأبيض المتوسط، ما يعكس تعقيدات العلاقة بين فرنسا والجزائر. في إطار محاولات معالجة هذا الإرث، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية في اختفاء الناشط موريس أودان، في خطوة جريئة نحو الشفافية التاريخية. كما أدان ماكرون استخدام التعذيب خلال فترة الصراع، في خطوات تهدف إلى المصالحة مع الماضي وتضميد الجراح القديمة. هذه الإجراءات كانت محاولة لمعالجة جوانب حساسة من تاريخ البلدين، والتي طالما كانت مصدراً للتوتر وسوء الفهم.

تشير الحقائق التاريخية إلى أن الثورة الجزائرية تضمنت تهجير ما يقرب من مليوني جزائري إلى المخيمات، مما يمثل فصلاً مؤلماً في تاريخ البلدين. خلال الحرب، جرى تهجير 1.5 مليون جندي فرنسي ومليوني جزائري (من أصل تسعة ملايين نسمة) إلى المخيمات، مما يبرز حجم التأثير الديموغرافي والاجتماعي للصراع على كلا الشعبين. يعيش حالياً في فرنسا ما يقارب 900 ألف جزائري وأكثر من مليوني شخص يحملون جنسية مزدوجة، مما يعكس الامتداد البشري للعلاقة التاريخية والتداخل الثقافي بين البلدين. وقد تأثر ما يقرب من ستة ملايين شخص بشكل مباشر أو غير مباشر بالتاريخ المشترك بين فرنسا والجزائر، مما يؤكد الأهمية البالغة لمعالجة هذا الإرث. ظلت قضية الجزائر غائبة إلى حد كبير عن النقاش السياسي الفرنسي حتى حملة نيكولا ساركوزي الانتخابية في عام 2007، عندما عادت لتتصدر الأجندة السياسية، مما يؤكد أنها قضية لا يمكن تجاهلها في أي سياق سياسي فرنسي.