مقاطعة الناخبين الجزائريين للأحزاب السياسية رغم نزاهة الانتخابات

الجزائريون يقاطعون الأحزاب… عندما تحرر الصندوق أفلست هي!
الصورة عبر Echoroukonline

نُشر هذا التقرير بتاريخ 3 يوليو 2026، حيث يتناول تحديات المشاركة السياسية في الجزائر رغم الجهود المبذولة لضمان نزاهة العملية الانتخابية. تأتي هذه التطورات في الوقت الذي أكد فيه الرئيس عبد المجيد تبون التزامه بإنهاء ظاهرة الانتخابات المزورة وتأكيد نزاهة صناديق الاقتراع. تهدف تعهدات تبون إلى استعادة ثقة الناخبين في المؤسسات الدستورية والعملية الديمقراطية، في محاولة لمعالجة الإحباط العام من المشاركة السياسية.

تحول المشهد الانتخابي الجزائري

انتهى عصر المحاصصة الانتخابية في الجزائر، وأصبح الثقل السياسي لكل مرشح المعيار الوحيد لتحقيق الفوز، مما يبشر بعهد سليم للمشهد السياسي في البلاد، بحسب ما أفاد به التقرير. وقد كانت منظومة المحاصصة تلك تتضمن ترتيبات مسبقة وتوزيعاً للمقاعد بشكل مسبق، مما كان يحول الانتخابات إلى مجرد بروتوكول إداري، وشكل هذا أحد الأسباب الرئيسية لمقاطعة الناخبين الجزائريين للعملية الانتخابية. هذا التحول الجذري يمثل نقطة مفصلية في تاريخ الانتخابات الجزائرية، حيث باتت الكفاءة والجدارة هي المحدد الأساسي للفوز، بدلاً من الترتيبات المسبقة التي كانت تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي.

كما يشير التقرير إلى أن عملية التدقيق التي تقوم بها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات دفعت الأحزاب السياسية إلى ترشيح كفاءات وشخصيات نظيفة، الأمر الذي أدى إلى بروز جيل جديد من الشباب في الساحة السياسية. وتأتي هذه التطورات في سياق جهود متواصلة لاستعادة ثقة الناخبين في المؤسسات الدستورية والعملية الديمقراطية، من خلال تقديم وجوه جديدة وبرامج أكثر واقعية. هذه الخطوات تعزز من الشفافية وتحد من ممارسات الفساد التي كانت تشوب العملية الانتخابية في السابق، مما يفتح آفاقاً جديدة للمشاركة السياسية الفاعلة.

غياب البرامج والكاريزما يضعف الأحزاب

يشير التقرير إلى أنه بعد ضمان نزاهة صناديق الاقتراع، تواجه الأحزاب السياسية الناخبين الجزائريين بشكل مباشر، لكنها لا تنجح في إقناع المواطنين بالتصويت لبرامجها. ويعزى هذا الفشل إلى غياب القادة ذوي الكاريزما والبرامج القوية التي تستجيب لتطلعات المواطنين. فمع اختفاء التزوير، باتت الأحزاب مطالبة بتقديم محتوى سياسي حقيقي ومقنع، وهو ما يبدو أنها لم تتمكن من تحقيقه بشكل كافٍ حتى الآن. هذا الوضع يضع عبئاً كبيراً على الأحزاب لإعادة بناء جسور الثقة مع القاعدة الشعبية.

كما يذكر التقرير أن الأحزاب السياسية لم تواكب "الثورة الانتخابية" التي أحدثها قانون الانتخابات الجديد، وبدت مترددة ومتشككة في تطبيقه الحرفي. هذا الوضع يسلط الضوء على تحدي التكيف الذي تواجهه هذه الكيانات في مشهد سياسي متغير يتطلب مرونة وسرعة في الاستجابة. عدم قدرة الأحزاب على التكيف مع الإصلاحات الجديدة يعكس ضعفاً هيكلياً قد يؤثر على قدرتها على المنافسة في المستقبل.

في سياق متصل، تم الاعتراف بالحراك الشعبي دستوريًا لدوره التاريخي، ما يعكس تحولاً في النظرة الرسمية للحركة الاحتجاجية. ويُعد العصر السياسي الحالي في الجزائر عودة إلى طبيعته المرجوة، وهو نتاج الأزمة الانتخابية التي بدأت في 22 فبراير 2019، عندما احتج الجزائريون على "العهدة الخامسة". هذا الاعتراف بالحراك يؤكد على أهمية الدور الشعبي في تشكيل المشهد السياسي ويدعم قيم الديمقراطية والمشاركة.

تاريخ المقاطعة وأسبابها القديمة

بعد انتخابات 2019، اعتاد الجزائريون على انتخابات غير مزورة، حيث اختفت مقاطع الفيديو الفاضحة التي تصور الاستيلاء على صناديق الاقتراع، والتزوير في عمليات العد، وتصويت أشخاص متوفين، وقوائم مرشحين تسيطر عليها الإدارة من وسائل التواصل الاجتماعي. تاريخياً، قبل عام 2019، قبلت الأحزاب السياسية عروض الحصول على مقاعد في المجالس الوطنية والمحلية، مقابل تحولها إلى جمعيات داعمة أو إلى معارضة واجهة. هذه الممارسات كانت تؤدي إلى إفراغ العملية الانتخابية من محتواها التنافسي الحقيقي وتساهم في تآكل ثقة الناخبين.

كما كانت السلطات تفسر ضعف إقبال الناخبين الجزائريين بأعذار متنوعة. في هذا السياق، صرح وزير الداخلية الأسبق يزيد زرهوني بأن الجزائريين فضلوا الذهاب إلى البحر للترفيه بسبب الطقس الحار. تعكس هذه الممارسات والأعذار جانباً من تاريخ المقاطعة وأسبابها المتجذرة في المشهد السياسي الجزائري، والتي كانت تتجاوز مجرد الظروف الجوية لتشمل فقدان الثقة في نزاهة العملية برمتها. هذه التبريرات كانت تزيد من شعور المواطنين بأن أصواتهم لا تحدث فرقاً حقيقياً.

تداعيات استمرار تدني المشاركة

رغم تأمين العملية الانتخابية وحماية الصوت الجزائري، لم يؤدِ ذلك بعد إلى تحسن شامل في المسار الانتخابي، حيث لا يزال معدل المشاركة يمثل نقطة سوداء مثيرة للجدل. هذا التحدي يبرز الحاجة إلى جهود إضافية تتجاوز مجرد ضمان النزاهة التقنية للانتخابات. فالمشاركة الفعالة تتطلب بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، وتقديم برامج انتخابية تلبي تطلعاته.

وقد مهد الرئيس عبد المجيد تبون الطريق لهذا الجيل الجديد من خلال إصلاحات شاملة، شملت أخلقة الحياة السياسية وفصل المال عن السياسة، بالإضافة إلى إصلاحات في هيئات الرقابة والمرافقة للعملية الانتخابية. هذه الإصلاحات تهدف إلى خلق بيئة سياسية صحية تشجع على المشاركة وتحد من تأثير المصالح الضيقة. كما تعزز هذه الإجراءات مبادئ الشفافية والمساءلة، وهي عناصر أساسية لاستعادة ثقة الناخبين.

تُظهر هذه التطورات أن السلطة الحالية في الجزائر مستقلة عن الأحزاب السياسية، ولا تُلزم نفسها بإرضاء أي طرف أو دعم أي مسؤول. هذا الاستقلال يمنح السلطة القدرة على اتخاذ قرارات جريئة ومحايدة تصب في مصلحة الوطن والمواطن، بعيداً عن الضغوط الحزبية أو الشخصية. ومع ذلك، تبقى مهمة تحويل هذه الإصلاحات إلى مشاركة انتخابية واسعة النطاق تحدياً كبيراً يتطلب جهوداً متواصلة من جميع الأطراف المعنية.