في خطوة غير مسبوقة تعكس قلقاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والأمنية، أرسل اثنان من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين، ونخبة واسعة من الشخصيات البارزة في الكيان والولايات المتحدة، ورؤساء سابقون لأجهزة استخبارات وأمن سيادية، وعشرات المسؤولين السابقين في مؤسسات أمنية مختلفة، رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ولم تقتصر الرسالة على نتنياهو فحسب، بل تم توجيهها أيضاً إلى وزير الدفاع، ووزير الأمن القومي، وعدد من الوزراء في الحكومة، ورئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، والمفتش العام للشرطة، ومسؤولين كبار آخرين في السلكين القضائي والإداري. وتهدف هذه الرسالة إلى دق جرس إنذار حقيقي وتوجيه تحذير مباشر ونهائي للنظام الحاكم، مؤكدة على خطورة الوضع الراهن في الضفة الغربية. وقد وقع على الرسالة رؤساء سابقون لجهاز الشاباك، كارمي جيلون ويعقوب بيري، بالإضافة إلى القاضي السابق في المحكمة العليا يورام دانزيغر، مما يضفي عليها ثقلاً قانونياً وأمنياً كبيراً.
مطالب صارمة بإنهاء عنف المستوطنين
طالب الموقعون على الرسالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتخاذ جميع الإجراءات الأمنية والقانونية اللازمة للقضاء الفوري على ظاهرة "الإرهاب اليهودي" التي انتشرت وتجذرت بشكل مقلق في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. وقد أسفر هذا الإرهاب عن مقتل وإصابة العشرات من القرويين والرعاة الفلسطينيين العزل، الذين يجدون أنفسهم هدفاً لهجمات متكررة. فضلاً عن ذلك، تشمل هذه الأعمال الإجرامية التدمير والنهب الوحشي والمنهجي للممتلكات الخاصة والعامة من قبل مئات المجرمين والشباب المتطرفين. ووفقاً لتقديرات الموقعين، فإن هؤلاء المجرمين غالباً ما يعيشون في مزارع معزولة وبؤر استيطانية عشوائية غير معتمدة أو مرخصة من قبل السلطات الرسمية المختصة، مما يسهل عليهم الإفلات من المساءلة.
تتعمد الجماعات المتطرفة إنشاء هذه البؤر الاستيطانية بالقرب من القرى الفلسطينية المأهولة بهدف واضح هو إلحاق الأذى المباشر بسكانها الأصليين، وتخويفهم، وطردهم بقوة السلاح من قراهم وأراضيهم الزراعية. هذا السلوك الممنهج يهدف إلى تغيير ديموغرافية المنطقة بالقوة. ويطالب الموقعون بإبعاد جميع المتورطين في هذه الأعمال الإجرامية من الضفة الغربية فوراً وتقديمهم للمحاكمة الجنائية الصارمة، مؤكدين على ضرورة تطبيق القانون دون تساهل. وقد أدى العنف المنهجي الأخير إلى نزوح جماعي للسكان الفلسطينيين وتخلي مجتمعات رعوية بأكملها عن أراضيها ومصادر رزقها، خاصة في منطقة غور الأردن الاستراتيجية، التي تعتبر سلة غذاء مهمة للفلسطينيين. وفي سياق متصل يوضح حجم هذه الهجمات، يُذكر أن رجلاً فلسطينياً حاول إخماد حرائق أشعلها مستوطنون صهاينة في مزرعته بقرية حوّارة في الضفة الغربية المحتلة، وهو مشهد يتكرر كثيراً ويعكس حجم المعاناة اليومية.
انتقادات حادة للحكومة وتسميات رئيس الوزراء
انتقد الموقعون على الرسالة بشدة مصطلحات الحكومة المتساهلة تجاه هؤلاء المهاجمين، مشيرين إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصف هؤلاء المجرمين بـ "شباب التلال"، وهو تسمية يرى الموقعون أنها تقلل من خطورة أفعالهم. وأوضحوا أن هذا التوصيف لا يعكس خطورة الأفعال المرتكبة ولا حجم الجرائم التي يرتكبونها بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم. وأفادت الرسالة أن هذه الهجمات لا تقتصر على مجموعة صغيرة ومنعزلة، فخلال الغارات الكبيرة والاعتداءات واسعة النطاق التي يشنها هؤلاء المجرمون، ينضم إليهم مستوطنون كبار من مستوطنات أخرى، ووحدات دفاع إقليمية تابعة للجيش، وفرق الاستعداد المسلحة للمستوطنات، وبعض العناصر من داخل الحدود، مما يشير إلى دعم وتنسيق أوسع نطاقاً لهذه الأعمال.
وصف الموقعون التصريحات السابقة التي أدلى بها رئيس الوزراء في مقابلته مع قناة "فوكس نيوز" في ديسمبر بأنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة ولا تتطابق مع الواقع المرير على الأرض. وتظهر هذه التصريحات، بحسب الرسالة، عدم إدراك عميق لحجم المشكلة وتأثيرها المدمر على الاستقرار والأمن في المنطقة. كما أشارت الرسالة إلى أن الوزراء في الحكومة لا يبذلون أي جهد للقضاء على هذا الإرهاب، بل إن بعضهم يدعمه مالياً ولوجستياً لإنشاء مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة، مما يزيد من تفاقم الوضع ويشجع على المزيد من العنف، ويعرقل أي جهود للحد من هذه الظاهرة الخطيرة. هذا الدعم الحكومي، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، يثير قلقاً عميقاً لدى الموقعين ويجعلهم يطالبون بتحرك فوري.
نطاق واسع للموقعين على الرسالة
وقع على الرسالة رئيسا الوزراء الإسرائيليان السابقان إيهود باراك وإيهود أولمرت، مما يضفي عليها ثقلاً سياسياً كبيراً ويؤكد على أن هذا التحذير يأتي من قادة سابقين على دراية تامة بتحديات الأمن القومي. كما شملت قائمة الموقعين رئيسي الأركان السابقين موشيه يعالون ودان حالوتس، مما يبرز قلقاً عميقاً من داخل المؤسسة العسكرية التي يفترض بها الحفاظ على الأمن والنظام. إضافة إلى ذلك، انضم إلى التحذير رئيس الموساد السابق تامير باردو، مشدداً على البعد الأمني والاستخباراتي للقضية المطروحة وتأثيرها على صورة الكيان ومكانته الدولية. وضمّت الرسالة أيضاً المستشار السابق للأمن القومي عوزي أراد، مما يشير إلى أهمية الموضوع من منظور السياسة الخارجية والأمن القومي الشامل، وكيف يمكن أن يؤثر على العلاقات الدولية.
من بين الموقعين البارزين أيضاً، جنرالات سابقون في الجيش الإسرائيلي، منهم نيتسان ألون، آفي مزراحي، وغادي شامني، وهو ما يعكس قلقاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية التي ترى في هذه الظاهرة تهديداً للاستقرار. وشاركَ المدعي العام السابق موشيه لادور في التوقيع، مما يؤكد على الجانب القانوني الخطير لهذه الظاهرة وضرورة تطبيق القانون بصرامة. وتضمنت قائمة الموقعين ستة فائزين بالجائزة الرفيعة للكيان، من بينهم الكاتب ديفيد غروسمان، مما يوسع نطاق الدعم للرسالة ليشمل شخصيات ثقافية وفكرية بارزة، ويظهر أن القلق لا يقتصر على الدوائر الأمنية والسياسية فحسب، بل يمتد ليشمل النخب الفكرية والمجتمعية.
الخطوة القانونية والتحذير الأخير
صاغ الرسالة وصاغها قانونياً المحامي شموئيل بيركوفيتش (Shmuel Berkovitz) نيابة عن المجموعة التي وقعت عليها، مما يؤكد على الطابع الرسمي والقانوني لهذا التحرك. ويُعد هذا التحرك الجماعي غير المسبوق بمثابة إجراء قانوني أولي وإخطار رسمي يسبق اللجوء المحتمل والمباشر إلى المحكمة العليا. ويأتي هذا التحذير في حال استمرت الحكومة الحالية في سياساتها الراهنة وفشلت في اتخاذ خطوات ملموسة وعاجلة لمعالجة هذه القضية المعقدة، مما يؤكد جدية الموقعين في متابعة القضية قضائياً حتى النهاية، إذا لم يتم الاستجابة لمطالبهم.
تعتبر هذه الخطوة بمثابة تحذير نهائي للحكومة قبل تصعيد الإجراءات القانونية، مما يضع ضغطاً كبيراً على رئيس الوزراء وحكومته. وقد قاد اللواء المتقاعد يعقوب أور (Yaakov Orr)، المنسق السابق للعمليات، جولات تفتيش ميدانية شبه شهرية في الضفة الغربية. وخلال هذه الجولات، شهد القادة المتقاعدون الصدمة والمشاهد المأساوية الناتجة عن الهجمات المستمرة التي يشنها المستوطنون، وشاهدوا بأعينهم حجم الدمار والمعاناة. وقد ساعدت هذه الجولات في توثيق حجم الأضرار وتأثيرها المباشر والمدمر على السكان الفلسطينيين، مما عزز قناعة الموقعين بضرورة التحرك العاجل والضغط على الحكومة لاتخاذ إجراءات حاسمة لوقف هذا العنف المتصاعد.