محامو الدفاع يطالبون بالبراءة في قضية فساد الخدمات الجامعية.. والمحكمة تؤجل النطق بالحكم

اختتمت محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، مساء يوم الخميس، محاكمة المتهمين في قضية فساد الخدمات الجامعية. تأتي هذه المحاكمة بعد جلسات متتالية شهدت تقديم مرافعات الدفاع وطلبات النيابة العامة، التي طالبت بتوقيع عقوبات مشددة على المتهمين. وقد قررت المحكمة تأجيل الجلسة وإحالة القضية للمداولة، مع تحديد الأول من يوليو المقبل موعدًا للنطق بالأحكام النهائية في القضية التي شغلت الرأي العام وأثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط القانونية والاقتصادية. وقد أكدت المحكمة أن هذه الفترة ستُخصص لدراسة جميع حيثيات الملفات والمرافعات المقدمة بعناية فائقة قبل إصدار القرارات القضائية.

دفاع المتهمين يؤكد الالتزام بالقانون ويطالب بتعزيز الاستثمار

دفع محامو الدفاع خلال مرافعاتهم بأن عجلة الاستثمار في الجزائر يجب أن تستمر في التقدم إلى الأمام، مؤكدين على أهمية عدم عرقلة التنمية الاقتصادية. وشددوا على أن الحفاظ على ديناميكية الاستثمار يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، مما يستدعي مراعاة هذا الجانب في سير الإجراءات القانونية. واعتبر الدفاع أن أي توقف لهذه العجلة قد تكون له تداعيات سلبية على مسار التنمية الذي تسعى إليه البلاد، داعين إلى نظرة شاملة تتوازن فيها العدالة مع متطلبات الاقتصاد وتطلعاته المستقبلية، خاصة في ظل التوجهات الحكومية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني.

وفي سياق متصل، طالب الدفاع بالإفراج عن المتعاملين الخواص الذين أسهموا في تشجيع الاقتصاد الوطني، مشيرين إلى دورهم الحيوي في خلق فرص العمل وتحقيق القيمة المضافة. وأوضح المحامون أن هؤلاء المتعاملين يمثلون شريحة مهمة في النسيج الاقتصادي، وأن احتجازهم قد يؤثر سلبًا على مناخ الأعمال والثقة في السوق، مما قد يعرقل جهود الدولة في جذب المزيد من الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام. ودعا الدفاع إلى تقدير الإسهامات الاقتصادية لهؤلاء الأفراد وضرورة ضمان استمراريتهم في خدمة الاقتصاد المحلي دون معيقات غير مبررة قد تنتج عن اتهامات غير مدعومة بأدلة قوية، مؤكدين على أن العدالة يجب أن تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في قراراتها.

كما دعا محامو الدفاع إلى وضع حد لملاحقة موظفي الدولة، بمن فيهم الإطارات وأعضاء لجان تقييم العروض وفتح الأظرفة، مؤكدين أنهم أدوا واجباتهم في إطار القوانين واللوائح المعمول بها. وأشار الدفاع إلى أن استهداف هذه الفئة قد يؤدي إلى شعور بالتردد والخوف بين الموظفين العموميين، مما يعيق أداءهم لمهامهم الحيوية ويؤثر على كفاءة الإدارة العمومية. وشدد المحامون على أهمية حماية الموظفين الذين يلتزمون بالإجراءات القانونية، لضمان سير العمل الإداري بكفاءة وشفافية، مؤكدين أن الملاحقات القضائية يجب أن تستند إلى أدلة دامغة لا مجرد شبهات، وأن الإجراءات الإدارية يجب أن تُفهم في سياقها القانوني والتنظيمي.

وأوضح دفاع أعضاء لجان تقييم العروض وفتح الأظرفة من وهران، مستغانم، المدية، والجلفة، أن عملهم شمل ثلاث مراحل رئيسية: فتح العروض، التقييم التقني، ثم التقييم المالي. وبينوا أن كل مرحلة كانت تتم وفقًا لإجراءات محددة وصارمة تضمن الحياد والنزاهة، وأن القرارات المتخذة كانت جماعية وتستند إلى معايير واضحة ومسبقة. وأكد الدفاع على أن هذه اللجان التزمت بالمنهجية المتبعة في إطار الصفقات العمومية، وأن أعضائها قاموا بواجباتهم بمهنية عالية ووفقًا لما هو منصوص عليه في النصوص القانونية والتنظيمية السارية، مما يؤكد التزامهم التام بالشفافية والإجراءات المعمول بها في إدارة العقود العمومية.

وتساءل الدفاع عن السبب وراء ملاحقة الأفراد الذين طبقوا اللوائح المعمول بها، لاتهامهم بمنح امتيازات غير مبررة. وأثار المحامون نقطة جوهرية تتعلق بكيفية اعتبار تطبيق القوانين جريمة، مشددين على أن الامتيازات الممنوحة، إن وجدت، كانت نتيجة للامتثال للإجراءات القانونية وليس خرقًا لها أو تجاوزًا للصلاحيات. ودعا الدفاع إلى إعادة تقييم هذه التهم في ضوء التزام المتهمين بالضوابط التنظيمية، مؤكدين أن المتهمين عملوا وفقًا لما هو منصوص عليه في النصوص القانونية المعمول بها في مجال الصفقات العمومية، وأن أي تفسير آخر قد يؤدي إلى تجريم العمل الإداري الصحيح.

وأشار الدفاع إلى أن دفاتر الشروط المعنية في القضية قد تمت الموافقة عليها من قبل لجنة وزارية قطاعية، بالإضافة إلى موافقة المراقب المالي. وأكد المحامون أن هذه الموافقات الرسمية تضفي الشرعية على الإجراءات المتخذة وتؤكد خلوها من أي شبهة قانونية في مراحلها الأولية، مما يدحض تهمة منح امتيازات غير مبررة. وشدد الدفاع على أن وجود هذه الموافقات يبرئ المتهمين من تهمة منح امتيازات غير مستحقة، حيث إن جميع الخطوات تمت تحت إشراف وموافقة الجهات المختصة والمعنية بمراقبة الصفقات العمومية، وهو ما يمثل ضمانة قوية لسلامة الإجراءات المتخذة.

تفاصيل قضية الخدمات الجامعية وشروط المناقصات المعقدة

صرح نبيل بن براهم، محامي مدير الخدمات الجامعية لولاية الجلفة، المتهم "ز.و"، بأن الملف يبدو كبير الحجم ولكنه في الواقع فارغ من الأدلة الجوهرية التي تدين موكله. وشدد بن براهم على أن الاتهامات الموجهة ضد مدير الخدمات الجامعية في الجلفة تفتقر إلى الأساس القانوني، وأن الأدلة المقدمة من قبل النيابة العامة لم ترق إلى مستوى الإثبات. ووصف بن براهم شرط الحصول على غرفة تبريد في ولاية الجلفة بأنه شرط مستحيل، وفقاً لما ورد في تحقيق السلطة المعنية، مما يثير تساؤلات حول واقعية الشروط الموضوعة في المناقصات ومدى إمكانية تطبيقها عملياً على أرض الواقع في تلك المنطقة.

وأوضح الدفاع أن شرط غرفة التبريد تم تضمينه في دفتر شروط المناقصة الخاصة بعقد توريد الفواكه والخضروات لضمان التسليم في الوقت المناسب، خاصة خلال فترة جائحة كوفيد-19، حيث كانت هناك حاجة ماسة لضمان استمرارية الخدمات وتلبية احتياجات الطلبة في ظل الظروف الصحية الاستثنائية. وأشار إلى أن المورد الوحيد الذي استوفى الشروط، بما في ذلك امتلاك غرفة تبريد، هو المتعامل "ح.ق"، مما يبرر اختياره كونه الوحيد القادر على تلبية المتطلبات الفنية واللوجستية للمناقصة، مؤكداً على أن الاختيار لم يكن مبنياً على محاباة بل على استيفاء الشروط الأساسية التي فرضتها الظروف آنذاك.

من جانبها، دافعت جميلة قاسيمي، محامية المتهمة "ح.ن"، مديرة الإقامة الجامعية وعضو لجنة فتح وتقييم العروض بمديرية الخدمات الجامعية "السانية" بوهران، عن موكلتها فيما يتعلق بمناقصة اللحوم الحمراء (عجل وغنم) للوحدة رقم 01. وأكدت قاسيمي أن موكلتها قامت بواجباتها ضمن الأطر القانونية والإدارية، وأن جميع قراراتها كانت جماعية وشفافة. وذكرت أن إحدى عشرة شركة اقتصادية شاركت في مناقصة اللحوم الحمراء، مما يدل على وجود منافسة حقيقية في السوق، وأن العدد الكبير للمشاركين يؤكد على نزاهة الإجراءات وعدم وجود أي إقصاء متعمد لأي متعامل اقتصادي.

وأكدت قاسيمي أن لائحة الاتهام الموجهة ضد "ح.ن" استندت إلى ثلاث تهم وصفتها بالضعيفة، من بينها تهمة اختفاء وثائق لاستبعاد متعامل اقتصادي. وأضافت أنه لم يتقدم أي متعامل اقتصادي بشكوى بخصوص اختفاء الوثائق المزعوم، مما يضعف من مصداقية هذه التهمة ويثير الشكوك حول دوافعها، ويشير إلى أن هذه التهمة قد تكون مبنية على افتراضات لا تستند إلى حقائق ملموسة أو شكاوى رسمية من المتضررين المفترضين.

وفندت قاسيمي تهمة عدم تحديث السعر المرجعي، مشيرة إلى أن السعر المرجعي كان محدداً في دفتر الشروط الذي وافقت عليه اللجنة القطاعية، وبالتالي فإن موكلتها التزمت بالأسعار المعتمدة. وأوضحت أن استبعاد المتعامل الاقتصادي "م" كان بناءً على المادة 20 من دفتر الشروط، التي تسمح بتطبيق المادة 72 عندما يكون السعر منخفضاً جداً بشكل يثير الشكوك حول جودة الخدمة أو المنتج. وأشارت إلى أن المحكمة الإدارية بوهران أيدت شرعية قرار الاستبعاد المتعلق بالمتعامل الاقتصادي "م"، مما يؤكد سلامة الإجراءات المتخذة من قبل موكلتها وأنها كانت مطابقة للوائح والقوانين المعمول بها. وفي سياق متصل، نفى تقرير الخبرة القضائية وجود أي اختلاس في القضية، وهو ما يدعم موقف الدفاع ببراءة المتهمة "ح.ن"، ويقدم دليلاً فنياً قوياً يناهض الاتهامات الموجهة إليها.

حجج الدفاع وتقارير البراءة تدحض الاتهامات

صرح بومدين فيلالي، محامي المتعامل الاقتصادي "ح.ق"، بأن موكله ناشط في المجال الاقتصادي لأكثر من ثلاثين عاماً، وقد أبرم عقوداً مع مؤسسات عمومية مختلفة منذ عام 2005، مما يدل على خبرته الطويلة ونزاهته في التعاملات التجارية. وأشار فيلالي إلى أن لائحة الاتهام في القضية المتعلقة بموكله تم تلخيصها في أربع صفحات فقط، وهو ما اعتبره الدفاع مؤشراً على ضعف الأدلة المقدمة وعدم وجود حجج قوية تدعم الاتهامات الموجهة. وشدد على أن تقرير المفتشية العامة للمالية جاء إيجابياً وأعلن براءة موكله من جميع التهم الموجهة إليه، وهو تقرير صادر عن جهة رقابية رسمية ذات مصداقية عالية، مما يعزز موقف الدفاع بشكل كبير.

وأضاف فيلالي أن موكله "ح.ق" حصل على شهادة حسن أداء من مديرية الخدمات الجامعية بالجلفة، مؤرخة في السابع عشر من يونيو عام 2026. وقد أثارت هذه الشهادة تساؤلات حول دقتها نظراً لتاريخها المستقبلي، إلا أن الدفاع أكد أنها تعكس الثقة في أداء موكله وجودة خدماته. وأوضح فيلالي أن هذه الشهادة، على الرغم من تاريخها المستقبلي، تؤكد على أن موكله كان دائمًا ملتزمًا بمعايير الجودة والكفاءة في جميع تعاملاته مع المؤسسات العمومية، وأنها تعبر عن رضى الجهات المتعاقدة عن أدائه، مما يبرهن على سجله الحافل بالنجاح والتعاون المثمر.

بهذه المرافعات القوية، يسعى محامو الدفاع إلى إقناع المحكمة ببراءة موكليهم، مؤكدين على أن الأدلة المقدمة غير كافية لإدانتهم، وأن الإجراءات التي اتخذوها كانت ضمن الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها. وتترقب الأوساط المعنية بحذر شديد قرار المحكمة في الأول من يوليو المقبل، والذي سيكون له تأثير كبير على المتهمين ومستقبلهم المهني، وعلى مناخ الاستثمار والإدارة العمومية في الجزائر، حيث ستحدد هذه الأحكام مدى التوازن بين مكافحة الفساد وضمان استمرارية العمل الإداري والاقتصادي في البلاد.