محاكمة كبرى لكشف شبكة تهرب ضريبي وغسيل أموال في استيراد الملابس

هكذا حوّلت شركات للملابس والأحذية الأموال تحت غطاء الاستيراد !
الصورة عبر Echoroukonline

يفتتح القطب الاقتصادي والمالي الجزائي بسيدي أمحمد محاكمة قضية فساد كبرى في 16 سبتمبر/أيلول الجاري، تتعلق بعمليات تجارية ومالية مشبوهة قام بها رجل أعمال يمتلك ست شركات لاستيراد الملابس من الصين وتركيا. هذه القضية المعقدة تسلط الضوء على ممارسات غير قانونية واسعة النطاق في قطاع الاستيراد. ويواجه المتهم الرئيسي، المحتجز حالياً في مؤسسة إعادة التربية والتأهيل بالكالعة، و32 متهماً آخرين، ليبلغ العدد الإجمالي للمتهمين في القضية 33 متهماً، تهماً خطيرة تشمل التهرب الضريبي عبر أفعال احتيالية، وتزوير وثائق تجارية، وغسيل الأموال، والمشاركة في تزوير وثائق تجارية. وتُشير التحقيقات الأولية إلى أن هذه الشبكة قامت بتحويل وغسل مبالغ مالية ضخمة في الخارج عبر طرق غير قانونية، مستفيدة من ثغرات في الأنظمة المالية والتجارية.

بدأت التحقيقات في القضية بناءً على معلومات دقيقة وردت إلى المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية. هذه المعلومات الأولية أشارت إلى تورط شركة في عمليات مشبوهة تتعلق باستيراد الملابس والأحذية لغرض إعادة البيع في السوق المحلية. وبعد التدقيق والتحقق، تبين أن الشركة المعنية هي "SARL REMONTADA RB"، الكائن مقرها في بني مراد بولاية البليدة، وهي نقطة انطلاق لسلسلة من التحقيقات الموسعة التي كشفت عن حجم التلاعب.

تفاصيل العمليات المشبوهة والاتهامات الموجهة

يزعم التحقيق أن مالك الشركات المشتبه بها قام بتحويل وغسل مبالغ مالية كبيرة في الخارج عبر طرق غير قانونية وتهرب ضريبي ممنهج، وذلك بالتواطؤ مع أطراف أخرى متعددة، مما يشير إلى وجود شبكة منظمة. كما يُتهم بأن الشركة تلاعبت بفواتير الاستيراد القادمة من الصين وتركيا بشكل منهجي، حيث قامت بتخفيض قيمتها الحقيقية المعلنة بشكل كبير بهدف التملص من دفع الرسوم الجمركية والضرائب المستحقة على البضائع المستوردة. هذه الممارسات أدت إلى خسائر كبيرة للخزينة العمومية.

كشفت التحقيقات عن استغلال الشركة لرخص الاستيراد عدة مرات بما يتجاوز قيمتها المصرح بها أصلاً، وهو ما يعد مخالفة صريحة للقوانين المنظمة للاستيراد. ويشير التقرير إلى أن متعاملي الرخص التجارية للشركة يمارسون ما يعرف بـ "الشوالة"، وهي عملية شحن البضائع عن طريق تخفيض الفواتير بشكل متعمد للاستفادة القصوى من رخص الاستيراد المتاحة. ويعزى هذا الإجراء، وفقاً للمعلومات المتوفرة، إلى صعوبة الحصول على رخص الاستيراد في السوق المحلية، مما يدفع بعض المتعاملين إلى اللجوء لمثل هذه الممارسات غير القانونية.

أفادت المصادر بأن المتهم الأول، الذي يُشار إليه بالأحرف "R.B."، يدير شركة "Magnifico for Export and Import" المتخصصة في استيراد الأحذية، بالإضافة إلى الشركات الأخرى التي يمتلكها في قطاع الملابس. وعلى الرغم من هذه الأنشطة المشبوهة المزعومة وعمليات التلاعب الواسعة، كانت الشركة تقدم إقراراتها الضريبية الشهرية والسنوية بشكل طبيعي ومنتظم، في محاولة لإضفاء شرعية على أنشطتها غير القانونية وإخفاء حجم التهرب الضريبي.

كما أظهرت كشوفات العملاء المفصلة للسنوات 2022 و 2023 و 2024 وجود تعاملات مع أفراد لم تتم معهم معاملات فعلية على أرض الواقع، مما يشير إلى فواتير وهمية أو صورية. اللافت في الأمر أن بعض هؤلاء الأفراد مدرجون في السجل الوطني للمتعاملين التجاريين المزورين (FNAIF)، مما يعزز فرضية التلاعب والاحتيال. تبين أن بعض هؤلاء التجار المدرجين ضمن قائمة عملاء الشركة، والذين تمت معهم تعاملات، لم يكونوا مسجلين لأغراض ضريبية على الإطلاق، أو كانوا مدينين بمبالغ ضريبية كبيرة، مما يثير تساؤلات حول مدى تواطؤهم أو استخدامهم كواجهة لعمليات غير مشروعة.

دور الجهات الرسمية والتحقيقات الموسعة

توسعت التحقيقات في القضية بشكل كبير بعد تلقي معلومات أولية، مما دفع السلطات إلى اتخاذ خطوات حاسمة لجمع المزيد من الأدلة وتحديد مدى تورط الأطراف المعنية في هذه الشبكة المعقدة. وفي إطار هذه الجهود المكثفة، تواصل المحققون مع المركز الوطني للسجل التجاري (CNRC) للحصول على معلومات تفصيلية وشاملة حول الشركات المتورطة في القضية، وذلك لبيان وضعها القانوني، وتاريخ تأسيسها، ونشاطاتها المسجلة، ومدى التزامها بالضوابط التنظيمية المعمول بها.

كما تواصلت الجهات المحققة مع بنك الجزائر، وهو الجهة الرقابية على النظام المصرفي، لجمع بيانات دقيقة حول التحويلات المالية الخارجية التي قامت بها الشركات المتهمة، والانتهاكات المحتملة لقوانين الصرف الأجنبي المرتبطة بالشبكة. هذا الإجراء يهدف إلى تحديد حجم الأموال التي تم تحويلها بطرق غير مشروعة، وكشف مساراتها، وتحديد المخالفات المرتكبة بدقة، مما يساعد في تتبع الأموال المغسولة. وفي سياق متصل، تم التواصل مع مديرية الضرائب بولاية البليدة للاستعلام عن الوضع الضريبي للشركات والأفراد المتهمين في القضية، وجمع معلومات مفصلة حول سجلاتهم الضريبية ومدى التزامهم بسداد المستحقات الضريبية، للكشف عن حجم التهرب الضريبي. هذه الإجراءات المتكاملة تهدف إلى كشف كامل للآليات المعقدة المستخدمة في التهرب الضريبي وغسيل الأموال وتحديد المسؤوليات بدقة لكل طرف متورط.

شبكة التلاعب بالفواتير والتهرب الضريبي عبر الموانئ

تفيد التحقيقات بأن الشركة المعنية، "SARL REMONTADA RB"، كانت تدير عملياتها اللوجستية والتجارية بين عدة موانئ رئيسية في البلاد، مما يوسع نطاق نشاطها ويجعل تتبعها أكثر تعقيداً. شملت هذه الموانئ موانئ وهران ومستغانم وجنجن وعنابة، مما يشير إلى شبكة توزيع واستيراد واسعة. وقد أشارت المصادر إلى أن الشركة كانت تتلقى تسهيلات ملحوظة من قبل مسؤولين في الجمارك، مما ساعدها بشكل كبير في تمرير عمليات التلاعب بالفواتير المستوردة وتجنب الكشف عنها خلال عمليات التفتيش الروتينية. هذه التسهيلات المشبوهة هي محور آخر للتحقيق لكشف المتورطين.

كما كشفت التحقيقات عن تفاصيل دقيقة لعمليات تحويل الأموال التي قامت بها شركة "SARL REMONTADA RB"، حيث جرت هذه العمليات في بنك البركة والبنك الإسكاني للتجارة والتمويل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025. هذه الفترة الطويلة تشير إلى استمرارية وتخطيط مسبق لعمليات غسيل الأموال. وتُظهر السجلات المصرفية والضريبية أن بعض التجار المدرجين ضمن قائمة عملاء الشركة، والذين تمت معهم تعاملات مالية وتجارية، لم يكونوا مسجلين لأغراض ضريبية على الإطلاق، أو كانوا مدينين بمبالغ ضريبية كبيرة للخزينة العمومية، مما يعزز فرضية استخدامهم كواجهة لعمليات غير مشروعة أو كشركاء في التهرب الضريبي. هذه المعلومات تكشف عن مدى تشابك الشبكة وتعدد أطرافها في مختلف المستويات التجارية والمالية.