مؤثرو التواصل الاجتماعي في عين العاصفة: بين التضامن السطحي والمساعدة الحقيقية في كارثة جيجل

“مؤثرون” على وسائط التواصل يستخفون بمعاناة ضحايا الحرائق!
الصورة: ح.م عبر Echoroukonline

واجهت عائلات في ولاية جيجل الجزائرية الخوف والخسارة والنزوح بسبب حرائق الغابات التي اجتاحت المنطقة، بينما قام بعض المؤثرين بزيارة المناطق المتضررة حاملين كاميرات لتصوير أنفسهم. أثار هذا السلوك غضباً واسعاً بين الجزائريين، حيث اندلعت موجة من الاستياء على وسائل التواصل الاجتماعي رداً على هذه الأفعال. تداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي منشورات تنتقد المؤثرين الذين ظهروا في المناطق المتضررة لالتقاط الصور ومقاطع الفيديو، معتبرين تصرفاتهم تضامناً سطحياً يفتقر إلى المساعدة الحقيقية. وقد سلطت هذه الحادثة الضوء على النقاش الدائر حول دور المؤثرين في أوقات الأزمات الإنسانية، لاسيما وأن العائلات في جيجل كانت تواجه الخوف والخسارة والنزوح في ظل هذه الظروف القاسية التي فرضتها حرائق الغابات.

استغلال المأساة لأغراض شخصية

نظر بعض المتابعين إلى هذه الأفعال على أنها أقرب إلى رحلة سياحية منها إلى زيارة تضامنية. وقد حوّل بعض المؤثرين الرقميين المأساة إلى رحلة سياحية أو جلسة تصوير، وفقاً لملاحظات متداولة. ويرى الجزائريون أن جيجل تمثل جرحاً وطنياً لا ينبغي التلاعب به. كما اعتبر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي أن الشهرة الحقيقية تُقاس بالتأثير في حياة الناس، وليس بعدد الصور أو الإعجابات. وأكدت تعليقات أن جيجل تحتاج إلى المساعدة، لا إلى أشخاص يستخدمون رمادها خلفيات للصور. وقد انتشر الغضب على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي بسبب هذه التصرفات، حيث تداول المستخدمون منشورات تنتقد المؤثرين الذين ظهروا في المناطق المتضررة لالتقاط الصور ومقاطع الفيديو.

أشارت منشورات إلى أن الكارثة كانت بمثابة خلفية لإنشاء محتوى سريع أو فرصة للحصول على صور استثنائية. ويرى العديد من الجزائريين أن جيجل هي ولاية منكوبة تحتاج إلى المواساة والمساعدة، لا إلى الترفيه أو الاستعراض. ولم تكن القضية تدوين الحرائق أو تأثيرها، بل طريقة التصوير وتحويل المعاناة إلى ترفيه أو استعراض ذاتي. وعندما تصبح الكاميرا أهم من الإنسان، والصور الشخصية أهم من مشاعر الضحايا، يفقد المحتوى معناه الإنساني. وجرى التأكيد على أن جيجل ليست خلفية للصور، وأن مآسي العائلات ليست فرصاً للشهرة. كما لا ينبغي أن تكون الكرامة الإنسانية ثمناً لتفاعل أكبر على المنصات. وقد أثارت هذه التصرفات جدلاً واسعاً حول الحدود الأخلاقية لاستخدام المحتوى المرتبط بالكوارث الإنسانية، خصوصاً عندما يتحول التركيز من معاناة المتضررين إلى الترويج الشخصي.

وقد عبر العديد من المستخدمين عن استيائهم من هذا النهج، مشيرين إلى أن مثل هذه الأفعال لا تقدم أي قيمة حقيقية للمتضررين، بل تزيد من شعورهم بالإهانة في أوقات ضعفهم. وأشاروا إلى أن التضامن الحقيقي يتطلب عملاً ملموساً ودعماً فعلياً، وليس مجرد لقطات مصورة تهدف إلى استقطاب الانتباه. كما تساءل البعض عن مدى وعي هؤلاء المؤثرين بالمسؤولية الاجتماعية التي تقع على عاتقهم، لا سيما وأنهم يمتلكون منصات تتيح لهم التأثير على آلاف أو حتى ملايين المتابعين. هذه الانتقادات تعكس وعياً مجتمعياً متزايداً بأهمية التعامل بجدية واحترام مع الأزمات الإنسانية، ورفض استغلالها لأغراض شخصية بحتة.

مسؤولية الشهرة وتأثيرها

شوهدت إحدى المؤثرات برفقة أصدقائها وهي تضحك وتلطخ وجهها بالفحم لإظهار أنها كانت في المناطق المتضررة، فيما كانت تمتطي حصاناً بدا وكأنه محترق أو منهك. وقد أثار هذا المشهد تساؤلات حول التمييز بين دور الصحفي الذي يوثق الأحداث وفقاً لقواعد مهنية محددة، ودور المؤثر الذي قد يحول المكان إلى مساحة مفتوحة للعرض والظهور. فبينما يلتزم الصحفيون بمبادئ الحياد والموضوعية والتركيز على نقل الحقيقة، قد يميل بعض المؤثرين إلى إضفاء طابع شخصي على المحتوى، مما قد يؤدي إلى تشويه الواقع أو استغلاله.

وتشير وجهات نظر إلى أن المؤثرين الذين يمتلكون آلافاً أو ملايين المتابعين يتحملون مسؤولية أكبر في تصرفاتهم، نظراً لأن أفعالهم يمكن أن تكون محط تقليد من قبل جمهورهم. وهذا يضع على عاتقهم عبئاً أخلاقياً كبيراً، حيث يمكن أن تؤثر تصرفاتهم بشكل مباشر على سلوكيات ومواقف متابعيهم، خاصة الشباب منهم. ويؤكد مراقبون أن على المؤثرين واجب احترام الأماكن والأشخاص المتضررين في أوقات الأزمات. وهذا الاحترام لا يقتصر على عدم استغلال معاناتهم، بل يمتد إلى تقديم الدعم الفعلي والمساهمة الإيجابية في جهود الإغاثة.

وتدعو هذه الأصوات المؤثرين إلى التحلي بالوعي والمسؤولية في تعاملهم مع مثل هذه المواقف الإنسانية، بعيداً عن استغلال المعاناة لتحقيق مكاسب شخصية أو زيادة التفاعل على منصاتهم. فالتأثير الحقيقي لا ينبع من عدد الإعجابات أو المشاهدات، بل من القدرة على إحداث فرق إيجابي في حياة الناس، خاصة في أوقات الشدائد. كما أن هناك فرقاً جوهرياً بين الصحفي الذي يوثق الأحداث وفقاً لقواعد مهنية محددة، والمؤثر الذي قد يحول المكان إلى مساحة مفتوحة للعرض والظهور، مما يطمس الخط الفاصل بين التوثيق المهني والاستعراض الشخصي.

ويُشدد على أن المؤثرين، بحكم وصولهم الواسع، يمتلكون فرصة فريدة لتعبئة الدعم والموارد، لكن هذه الفرصة يجب أن تُستغل بمسؤولية وأخلاقية. فبدلاً من التركيز على الذات، يمكنهم توجيه متابعيهم نحو القنوات الرسمية للمساعدة، أو المشاركة في حملات جمع التبرعات، أو حتى التطوع بأنفسهم بعيداً عن الأضواء. إن هذا النهج يضمن أن تكون الشهرة أداة للبناء والمساعدة، لا وسيلة للاستغلال أو التشويه.

نماذج للتضامن الحقيقي

برزت في خضم الكارثة أمثلة أخرى لمؤثرين اختاروا مساراً مختلفاً في تقديم المساعدة، حيث أكدت بعض الآراء أن من يرغب في تقديم العون يستطيع فعل ذلك دون تحويل كل خطوة إلى جلسة تصوير أو تقديم نفسه كبطل. وقد فضّل هؤلاء التركيز على جمع التبرعات وتوفير الاحتياجات الأساسية ودعم العائلات المتضررة، مستخدمين شهرتهم لتوجيه الجهود نحو الإغاثة الفعلية. هذا التوجه يعكس فهماً أعمق لمفهوم التضامن والمسؤولية الاجتماعية، حيث يتم التركيز على النتائج الملموسة بدلاً من المظاهر السطحية.

تمكن بعض المؤثرين، سواء داخل الجزائر أو خارجها، من جمع ما يقرب من 1.75 مليار سنتيم (175,000,000 دينار جزائري) خلال 24 ساعة فقط. هذا المبلغ يعكس قدرة هذه المنصات على حشد الدعم المالي السريع إذا ما تم توجيهها نحو الأهداف الإنسانية بجدية. وتجاوزت هذه الجهود مجرد التقاط الصور، حيث عمل هؤلاء المؤثرون على تنظيم حملات إغاثة، وتوفير مواد غذائية، وملابس، ومستلزمات إيواء للعائلات التي فقدت منازلها وممتلكاتها. كما قاموا بالتنسيق مع الجمعيات الخيرية والمنظمات المحلية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بأكبر قدر من الفعالية والشفافية.

أظهرت هذه الجهود أن التضامن الحقيقي يمكن أن يأخذ أشكالاً ملموسة وفعالة بعيداً عن الأضواء المبالغ فيها. وقد أكد الجزائريون في أوقات الأزمات أن التضامن قيمة متجذرة لا تتطلب الكاميرات أو الإعلانات لتظهر. وتبرز هذه النماذج الإيجابية الدور الذي يمكن أن يلعبه المؤثرون عندما يختارون استخدام نفوذهم وشهرتهم لخدمة قضايا إنسانية حقيقية، بدلاً من استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية. إنها دعوة للمؤثرين لتبني نهج أكثر مسؤولية وأخلاقية، يضع كرامة الإنسان ومعاناته في المقام الأول.

وفي الختام، فإن هذه الأزمة في جيجل كشفت عن وجهين مختلفين لدور المؤثرين في المجتمع: أحدهما يستغل المعاناة لتحقيق الشهرة، والآخر يوظف شهرته لتقديم العون الحقيقي. وتظل الرسالة الواضحة من الشعب الجزائري هي أن المأساة ليست خلفية للصور، وأن الكرامة الإنسانية لا تقدر بثمن، وأن التضامن الفعلي هو ما يبقى ويصنع الفارق في حياة المتضررين.