قطاع التأمين الجزائري يتجاوز 57 مليار دينار في الربع الأول 2026 وسط نمو تأمين السيارات وتحديات المطالبات المعلقة

132 ألف عقد جديد لتأمين السيارات في ظرف 90 يوما!
الصورة عبر Echoroukonline

تجاوز قطاع التأمين في الجزائر 57 مليار دينار جزائرية كإيرادات في الربع الأول من عام 2026، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن السوق الوطني للتأمين. ففي أول 90 يوماً من عام 2026، حقق السوق الوطني للتأمين إجمالي إيرادات بلغ 57.3 مليار دينار جزائري عبر جميع فروعه بحلول 31 مارس 2026. وقد حافظ سوق التأمين الجزائري على استقراره خلال بداية عام 2026، مما يعكس أداءً ثابتاً ومرونة ملحوظة في القطاع. هذا الأداء القوي في الإيرادات يأتي في وقت تتزايد فيه قيمة التعويضات والملفات المعلقة التي لم تسوَّ بعد، والتي تجاوزت 127 مليار دينار جزائري، مما يلقي الضوء على التحديات المستمرة في إدارة المطالبات.

نمو قوي في أقساط التأمين الشامل وديناميكية سوقية متباينة

شكلت شركات تأمين الأضرار الحصة الأكبر من النشاط التشغيلي في قطاع التأمين الجزائري، مسجلة 80.2% من إجمالي الإيرادات المحققة في الربع الأول من عام 2026. وبلغت أقساطها نحو 46 مليار دينار جزائري، مما يؤكد على هيمنة هذا النوع من التأمين على السوق. كما سجل تأمين الأضرار إقرارات بقيمة تقارب 18 مليار دينار جزائري، مما يعكس حجم الالتزامات المحتملة التي تواجهها هذه الشركات.

وفي تفصيل لأداء الفروع المختلفة، شهدت بعض الأقسام نمواً ملحوظاً بينما واجهت أخرى تحديات. على صعيد الأداء السلبي، شهد نشاط تأمين الحرائق والمخاطر المتنوعة انخفاضاً بنسبة 16.2% خلال هذه الفترة، مما يشير إلى تراجع في الطلب أو في حجم الأخطار المؤمن عليها في هذا القطاع المحدد. وبالمثل، تراجع تأمين النقل بنسبة 8.4%، وهو ما قد يرتبط بتقلبات في حركة التجارة أو الشحن.

في المقابل، أظهرت بعض الفروع نمواً إيجابياً وملحوظاً. فبعد تأمين السيارات، الذي سيتم تفصيله لاحقاً نظراً لأهميته، جاء التأمين الزراعي ليحقق أفضل أداء من حيث النمو، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 30.1%. هذا النمو الكبير في التأمين الزراعي يمكن أن يعكس زيادة الوعي بين المزارعين بأهمية حماية محاصيلهم ومواشيهم من المخاطر المختلفة، أو قد يكون مدفوعاً بسياسات حكومية داعمة للقطاع الزراعي.

وشهد قطاع التأمين على الائتمان، والذي يوفر حماية للشركات من مخاطر عدم سداد الديون، نمواً بلغ ما يقرب من 5%. هذا النمو يشير إلى تزايد اهتمام الشركات بحماية معاملاتها التجارية في بيئة اقتصادية تتسم ببعض المخاطر.

أما التأمين التكافلي، الذي يعمل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، فقد سجل أعلى معدلات نمو على الإطلاق خلال الفترة المذكورة، متجاوزاً 53%. هذا النمو الاستثنائي يؤكد على تزايد الإقبال على المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة في الجزائر، ويعكس تحولاً في تفضيلات جزء من السوق نحو هذا النمط من التأمين الذي يعتمد على التعاون والتكافل بين المشتركين.

تأمين السيارات يقود الأداء المتميز ويستحوذ على الحصة الأكبر

يظل فرع تأمين السيارات المحرك الرئيسي لقطاع التأمين الجزائري، حيث شهد انتعاشاً ملحوظاً خلال الربع الأول من عام 2026. وقد تجلى هذا الانتعاش في إبرام أكثر من 132 ألف عقد جديد خلال هذه الفترة، مما يدل على ديناميكية قوية في سوق المركبات. ويستحوذ تأمين السيارات على أكثر من نصف سوق تأمينات الأضرار الإجمالي، مما يجعله اللاعب الأبرز في هذا القطاع الحيوي.

لقد حقق هذا الفرع إيرادات بلغت 25.2 مليار دينار جزائري في غضون ثلاثة أشهر فقط، مسجلاً بذلك زيادة قدرها 11.8% مقارنة بالربع الأول من عام 2025. هذه الزيادة الكبيرة في الإيرادات تؤكد على النمو المستمر في عدد المركبات المؤمن عليها، فضلاً عن احتمال ارتفاع متوسط قيمة الأقساط.

ويمثل تأمين السيارات نسبة 54.8% من إجمالي نشاط تأمينات الأضرار، وهي نسبة تؤكد على حجمه الهائل وتأثيره المباشر على الأداء العام للقطاع. وخلال هذه الفترة، تم إبرام أكثر من 2.14 مليون عقد تأمين في سوق تأمين السيارات، مما يعكس قاعدة عملاء واسعة ونشاطاً مكثفاً. وقد سجل هذا العدد زيادة قدرها 132 ألف عقد جديد، وهو ما يعادل نمواً بنسبة 6.6% في عدد العقود المبرمة.

ولم يقتصر النمو على التأمين الإلزامي فقط، بل ارتفع التأمين الاختياري في فرع تأمين السيارات بنسبة 12.7%، مما يشير إلى تزايد وعي أصحاب المركبات بأهمية التغطيات الإضافية التي توفرها بوالص التأمين الشامل. هذا الارتفاع في التأمين الاختياري يعكس رغبة العملاء في الحصول على حماية أوسع تتجاوز المتطلبات القانونية الأساسية.

على صعيد التعويضات، شكل تأمين السيارات أكثر من 72% من إجمالي التعويضات المدفوعة في القطاع، مما يسلط الضوء على حجم المطالبات المرتبطة بحوادث المرور وتكلفة إصلاح الأضرار الناتجة عنها. ووصلت قيمة الإقرارات المتعلقة بحوادث المرور عبر شركات التأمين إلى 20.4 مليار دينار جزائري، موزعّة على أكثر من 502 ألف إقرار، مما يعكس العدد الكبير من الحوادث المؤمن عليها التي يتم الإبلاغ عنها.

زيادة المدفوعات وتعقيدات المطالبات المعلقة: تحدٍ مستمر للقطاع

في حين يشهد القطاع نمواً في الإيرادات، فإن التحدي الأكبر يكمن في إدارة المطالبات والملفات المعلقة. فقد دفعت شركات التأمين ما مجموعه 17.3 مليار دينار جزائري للمؤمن لهم خلال الربع الأول من العام، مسجلة زيادة بنسبة 12.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذه الزيادة في المدفوعات تعكس التزام الشركات بتسوية المطالبات، لكنها أيضاً تضغط على سيولتها المالية.

واستحوذت شركات تأمين الأضرار على حوالي 89% من إجمالي التعويضات المدفوعة، متجاوزة 15.3 مليار دينار جزائري، وهو ما يتماشى مع حصتها الكبيرة من إجمالي الإيرادات. وخلال هذه الفترة، تمت تسوية أكثر من 325 ألف مطالبة، مما يدل على الجهود المبذولة لمعالجة الملفات.

ومع ذلك، تظل قيمة ملفات التعويضات غير المسواة تحدياً كبيراً. فقد بلغت هذه الملفات 127.3 مليار دينار جزائري حتى نهاية مارس 2026، وتخص حوالي 1.65 مليون ملف. على الرغم من أن هذا الرقم يبدو ضخماً، إلا أنه سجل انخفاضاً طفيفاً، حيث انخفضت قيمة هذه الملفات غير المسواة بأكثر من 1.3 مليار دينار مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، مما يشير إلى بعض التقدم في تسوية جزء من المتراكم.

العبء الأكبر من هذه الملفات المتراكمة يقع على قطاع تأمين الأضرار وحده، حيث وصل حجم الملفات المعلقة فيه إلى 121.6 مليار دينار جزائري. وهذا يعكس الطبيعة المعقدة والطويلة الأمد لتسوية بعض مطالبات الأضرار، خاصة تلك المتعلقة بالحوادث الكبرى أو التي تتطلب تقييمات مطولة.

في فرع تأمين السيارات، الذي يعد الأنشط، شهدت قيمة الملفات المعلقة ارتفاعاً بنحو 1.3 مليار دينار جزائري. كما زاد عدد الملفات المعلقة في تأمين السيارات بأكثر من 18 ألف ملف مقارنة بالعام الماضي، مما يشير إلى أن تدفق المطالبات الجديدة يفوق سرعة التسوية في هذا الفرع بالذات. وارتفع العدد الإجمالي للملفات المصرح بها إلى أكثر من 306 آلاف ملف، مما يضيف إلى حجم العمل المطلوب لإدارة هذه المطالبات.

آفاق وتحديات مستقبلية

يستعرض الأداء العام لقطاع التأمين الجزائري في الربع الأول من عام 2026 صورة مختلطة من النمو والتحديات. فمن جهة، هناك نمو قوي في الإيرادات الإجمالية وفي فروع رئيسية مثل تأمين السيارات والتأمين التكافلي والزراعي، مما يعكس توسعاً في السوق وزيادة في الوعي التأميني. ومن جهة أخرى، يظل التراكم الكبير للملفات المعلقة، خاصة في تأمين الأضرار والسيارات، نقطة ضعف تحتاج إلى معالجة استراتيجية.

إن معالجة هذه التحديات تتطلب من شركات التأمين الجزائرية تحسين كفاءة عمليات تسوية المطالبات، والاستثمار في التكنولوجيا لتبسيط الإجراءات، وربما مراجعة بعض السياسات لضمان تسريع عملية دفع التعويضات. فالقدرة على تسوية المطالبات بفعالية وفي وقت معقول ليست فقط مسألة امتثال، بل هي أيضاً عامل حاسم في بناء ثقة العملاء وتعزيز سمعة القطاع بأكمله.

مع استمرار النمو الاقتصادي في الجزائر وتزايد عدد السكان والمركبات، من المتوقع أن يواصل قطاع التأمين توسعه. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوسع سيعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة الشركات للتحديات الحالية، لا سيما تلك المتعلقة بالملفات المعلقة، لضمان استمرارية الاستقرار والنمو المستدام في السنوات القادمة.