تفتح النيابة العامة الجزائرية، اليوم الأحد الموافق العاشر من مايو، ملف فساد كبير يتعلق بقطاع الرياضة، حيث يُحاكم مسؤولون من المدرسة العليا لعلوم وتقنيات الرياضة بدالي إبراهيم في الجزائر العاصمة. تتضمن المخالفات المزعومة تجاوزات جسيمة في إجراءات الانضمام إلى رتبة مستشار رياضي للرياضيين النخبة وذوي المستوى العالي، بالإضافة إلى الحصول غير المشروع على مناصب مالية. سيمثل المتهمون أمام محكمة بئر مراد رايس الابتدائية بتهم إساءة استغلال الوظيفة والتزوير واستعمال وثائق إدارية مزورة. تستند التهم الموجهة إليهم إلى المادة 33 من القانون 01/06 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، والمادة 22 الخاصة بمكافحة التزوير واستعمال وثائق مزورة، وهما مادتان قانونيتان تُعنى الأولى بمكافحة الممارسات الفاسدة في الوظيفة العامة، بينما تُجرم الثانية الأفعال المتعلقة بتزييف الحقائق في الوثائق الرسمية، مما يؤكد جدية الاتهامات الموجهة للمسؤولين.
تفاصيل التزوير في الشهادات والدرجات
تضمنت المخالفات المزعومة تزوير كشوف النقاط بشكل منهجي، وتسجيل علامات وهمية غير مستحقة، وإعداد قوائم مزورة للناجحين، بالإضافة إلى اختفاء متعمد لملفات هامة، وعدم الامتثال للمراحل الإجرائية المعمول بها في تقييم الطلاب ومنح الشهادات. وقد فصّلت الشكوى المقدمة اكتشاف علامات وهمية لرتبة "مستشار رياضي" لدفعة الرياضيين النخبة وذوي المستوى العالي للعام الدراسي 2023/2024، بالرغم من عدم إجراء أي تقييم أو امتحان فعلي لهذه الدفعة، مما يشير إلى عملية تزوير كاملة للنتائج. هذه التجاوزات شملت إعداد كشف نقاط سنوي مزور لدورة التكوين الاستثنائية المتعلقة برتبة مستشار رياضي لذات الدفعة 2023/2024. وقد احتوى كشف النقاط المزور على قائمة وهمية من العلامات في جميع المواد الدراسية، حيث لم يتم إجراء أي تقييم فعلي لتلك المواد على الإطلاق، مما يؤكد أن العملية كانت صورية بالكامل وتفتقر إلى أي أساس أكاديمي أو إجرائي سليم.
أكد تحقيق إداري أُجري في وقت سابق جملة من التجاوزات الصارخة في كشوف النقاط الخاصة بدفعة 2023/2024، شملت علامات وهمية لا أساس لها من الصحة وغياب لبعض الملفات الطلابية الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي عملية تقييم أكاديمية. هذه الملفات المفقودة تُعد ضرورية لضمان الشفافية والمساءلة، ويعتبر غيابها مؤشراً قوياً على محاولة إخفاء أدلة أو التلاعب بالنتائج.
لم تُراعَ المراحل الإجرائية الأساسية في هذه العملية التعليمية والإدارية، بما في ذلك التحديد المسبق لمواعيد الامتحانات، وإعداد أوراق التقييم الموحدة، وعقد اجتماعات المجالس العلمية التي تُعد ركيزة أساسية لضمان الشفافية والنزاهة الأكاديمية. هذه الإجراءات المنهجية غابت تماماً، مما سمح بحدوث تلاعب واسع النطاق. أُدرجت أسماء أساتذة كمشرفين على مواد دراسية لم يقوموا بتدريسها أو تقييمها في الأساس، مما يشير إلى مخالفات إدارية وتنظيمية واسعة النطاق تتجاوز مجرد الخطأ الإداري إلى التلاعب المتعمد. هذه الممارسات أدت إلى زعزعة الثقة في مصداقية الشهادات الممنوحة من المؤسسة، وأثارت تساؤلات جدية حول مدى شرعية أي مؤهلات صادرة عنها في الفترة المعنية.
مسار التحقيق وكشف الخروقات
بدأ التحقيق في القضية استناداً إلى شكوى قدمها مسؤول رسمي في المدرسة العليا لعلوم وتقنيات الرياضة، ما دفع الجهات المختصة لفتح ملف الفساد بشكل عاجل. كشفت التحقيقات عن جملة من التجاوزات التي أثارت الشبهات حول نزاهة العملية التعليمية والإدارية داخل المؤسسة، مؤكدة وجود شبكة منظمة للتلاعب بالنتائج والشهادات. هذه الشكوى كانت بمثابة الشرارة التي كشفت عن حجم الفساد المستشري.
في سياق متصل، اكتشفت إحدى الأساتذة، التي لم تُذكر هويتها، إدراج اسمها ضمن قائمة المقيمين لمادة علم وظائف الأعضاء، على الرغم من أنها لم تقم بأي تقييم لهذه المادة. هذا الاكتشاف أثار تساؤلات جدية حول كيفية إعداد كشوف النقاط وتوزيع المهام الأكاديمية، مشيراً إلى أن الأسماء كانت تُستخدم دون علم أصحابها لإضفاء الشرعية على وثائق مزورة، مما يمثل تزييفاً صريحاً للحقائق الأكاديمية.
كما تبين للمُدرسة ذاتها أن اسمها أُدرج كمشرفة على مواد في ريادة الأعمال الرياضية، وذلك في فترة كانت فيها في إجازة مرضية تمتد من 24 سبتمبر 2023 حتى أبريل 2024. هذا التضارب الزمني يشير بوضوح إلى إدراج أسمائها بشكل غير قانوني وفي غيابها التام عن المؤسسة، مما يعمق الشكوك حول التلاعب الإداري واستخدام أسماء الأكاديميين دون موافقتهم أو علمهم، ويؤكد على أن هذه الممارسات كانت ممنهجة ومتعمدة.
من جانبها، أفادت الأمينة العامة للمدرسة، "ب.ز"، بأنها تعرضت للتهديد بعد كشفها للحقائق المتعلقة بالفساد، وادعت أن اسمها أُدرج في كشوف النقاط المزورة بهدف توريطها في القضية. تصريح الأمينة العامة يسلط الضوء على الضغوط التي قد يتعرض لها من يكشفون عن التجاوزات داخل المؤسسات، مما يشير إلى محاولات لإسكات الأصوات المعارضة أو ترهيبها، ويؤكد على وجود مستوى من التواطؤ والتغطية على الفساد.
أظهرت التحقيقات أيضاً أن المسؤول عن تسيير مديرية الدراسات والتكوين المتواصل والشهادات رفض تسليم المهام لخلفه، محتفظاً بالملفات والمعلومات تحت سيطرته. هذا التصرف يعرقل سير العمل الإداري ويمنع الوصول إلى وثائق قد تكون حاسمة في التحقيق، مما يزيد من تعقيد القضية ويعزز الشكوك حول محاولة إخفاء أدلة أو التستر على ممارسات غير قانونية، ويشير إلى مقاومة واضحة للشفافية والمساءلة.
دور المسؤولين في التستر على الفساد
أقر مسؤول عن مصلحة التعليم والتقييم والتربصات باستلام كشف نقاط على دعامة إلكترونية، حيث قام بترجمته وإعادة صياغته ثم طباعته بتاريخ 11 يونيو 2024، وقدمه للتوقيع رغم علمه بعدم صلاحيته وأن محتواه لا يعكس أي تقييم حقيقي. هذا الإقرار يضعه مباشرة في دائرة الاتهام بالمشاركة في عملية التزوير. من جانبه، وقع رئيس قسم علوم وتقنيات الرياضة على كشف النقاط المذكور، مع إقراره بأنه لم يقم بتقييم الطلبة وأنه كان على علم بعدم اتباع الإجراءات البيداغوجية المعتادة، مما يضعه في دائرة المساءلة عن التوقيع على وثيقة يعلم أنها مزورة، ويبرز تجاهله المتعمد للمبادئ الأكاديمية.
وفي سياق متصل، وقع المدير المكلف بتسيير المدرسة على محضر اجتماع المداولات الذي اعتمد على كشف النقاط المزور، على الرغم من علمه بمدى إجراء الامتحانات النهائية من عدمه، وهو ما يمثل إهمالاً جسيماً للواجب الوظيفي وتواطؤاً ضمنياً في عملية التزوير. هذا التوقيع يضفي الشرعية على وثيقة مزورة، ويساهم في استمرار الممارسات غير القانونية. كما أظهرت التحقيقات أن مدير الدراسات آنذاك قام بالتوقيع على كشف النقاط، بالرغم من إبلاغه بعدم وجود أوراق امتحانات وأن الملف كان يفتقر إلى أوراق التقييم اللازمة، مما يؤكد علمه التام بالعيوب الجوهرية في الملف ومع ذلك مضى في عملية المصادقة، مما يجعله شريكاً فعالاً في عملية التزوير هذه.
تداعيات القضية على قطاع الرياضة
استُخدم كشف النقاط المزور في اجتماع لجنة نهاية التكوين الذي عُقد بين 11 و 12 يونيو 2024. أدى ذلك إلى المصادقة على قائمة تضم تسعة مرشحين ناجحين لرتبة مستشار رياضي، بعد استبعاد ثلاثة آخرين بزعم عدم استيفائهم للمتطلبات الجامعية، في حين أن عملية التقييم برمتها كانت باطلة وغير مستندة إلى أي أسس حقيقية. هذا الأمر يثير تساؤلات حول مصير هؤلاء المرشحين وما إذا كانوا قد حصلوا على مناصب مالية بناءً على هذه الشهادات المزورة، مما قد يفتح الباب أمام قضايا فساد إضافية تتعلق بالتوظيف وتعيين هؤلاء الأفراد في مناصب حساسة. إن هذه الفضيحة الكبرى تهدد بتقويض الثقة في المؤسسات الأكاديمية الرياضية في الجزائر وتلقي بظلالها على مدى نزاهة الشهادات الممنوحة في هذا القطاع الحيوي، وتطرح تساؤلات حول مدى انتشار هذه الممارسات في مؤسسات أخرى.