فشل المدربين الأجانب للمنتخب الجزائري: سجل حافل بالإخفاقات واستثناءات قليلة

هذه قصة فشل أغلب المدربين الأجانب مع “الخضر” منذ مطلع الألفية
الصورة عبر Echoroukonline

يشير العديد من المتتبعين والخبراء إلى الفشل الذريع لمعظم المدربين الأجانب الذين أشرفوا على المنتخب الجزائري لكرة القدم على مر السنين. فقد شهد المنتخب، منذ مطلع الألفية الحالية وخلال ربع قرن تقريباً، استقدام ما يقرب من 12 مدرباً من مدارس أوروبية مختلفة، إلا أن النجاح كان محدوداً بأسماء قليلة، وفقاً لما ذكره هؤلاء المتتبعون والخبراء. هذه الظاهرة أثارت تساؤلات حول جدوى الاعتماد المتكرر على الخبرات الأجنبية في ظل التكاليف الباهظة والنتائج التي غالباً ما تكون مخيبة للآمال.

ويقول المتتبعون والخبراء إنه "يجمع الكثير من المتتبعين والعارفين لبيت المنتخب الوطني على الفشل الذريع لأغلب المدربين الأجانب الذين أشرفوا على المنتخب الوطني على مر السنين". وأضافوا: "ففي الوقت الذي ترك بعض التقنيين بصمتهم مع "الخضر"، على غرار رايكوف وروغوف، خلال الثمانينيات، وصولا إلى خاليلوزيتش وغوركوف وبيتكوفيتش مطلع هذه الألفية، فإن بقية الأسماء التي تم العمل معها فشلت فشلا ذريعاً، وأدخلت المنتخب الوطني في دوامة من الهزات والنكسات والخيبات". هذا التباين في الأداء يسلط الضوء على أن مجرد استقدام مدرب أجنبي لا يضمن النجاح، بل يتطلب عوامل أخرى من استقرار ودعم ورؤية واضحة.

حقبة ما بعد الألفية: خيارات مكلفة ونتائج مخيبة

شهدت حقبة ما بعد الألفية استقدام مدربين أجانب من مدارس بلجيكية ورومانية وإسبانية، مثل ليكنس وواسايج وبيغولا وألكاراز، الذين وصفوا بأنهم غير ناجحين ومكلفين بشكل خاص. هذه الخيارات، التي كانت تستهدف غالباً تحقيق نقلة نوعية في أداء المنتخب، انتهت في معظمها إلى نتائج لا تتناسب مع التوقعات أو الاستثمارات المالية.

تولى المدرب الروماني بيغولا (Pégola) مهمة الإشراف على المنتخب الجزائري بين مارس وديسمبر 1998، حيث واجه انتكاسات في تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2000. فترة بيغولا القصيرة لم تشهد أي استقرار أو تقدم ملحوظ، مما أدى إلى رحيله بعد أقل من عام. كما عمل مواطنه رادولشكو (Raduljko) مع جداوي بين سبتمبر 2000 وفبراير 2001، وسجل سجلاً سلبياً خلال تلك الفترة التي لم تتجاوز بضعة أشهر، مما يؤكد نمط عدم الاستقرار الذي لازم العديد من المدربين الأجانب.

أشرف جورج ليكنس (Georges Leekens) على تدريب المنتخب في النصف الأول من عام 2003، حيث خاض مباراة واحدة ضد ناميبيا وغادر منصبه بعد أقل من سبعة أشهر. هذا الرحيل السريع أثار تساؤلات حول مدى التخطيط المسبق لاختياره. وقد عاد ليكنس لاحقاً لإدارة المنتخب في كأس الأمم الأفريقية 2017، ليحل محل رايفاتش الذي أقيل بعد التعادل مع الكاميرون في تصفيات كأس العالم 2018، لكن عودته لم تسفر عن نتائج إيجابية أيضاً.

ويُعتبر البلجيكي روبرت واسايج (Robert Waseige) أحد أسوأ المدربين الذين مروا على المنتخب، حيث أدار الفريق بين مايو وسبتمبر 2004، وفشل في التأهل لكأس الأمم الأفريقية 2006. فترة واسايج لم تتجاوز أربعة أشهر، وهي فترة قصيرة جداً لتحقيق أي تأثير إيجابي، لكنها كانت كافية لتسجيل فشل في مهمة التأهل القارية. ولم يتمكن الفرنسي ميشال كفالي (Michel Cavalli) أيضاً من قيادة المنتخب للتأهل لكأس الأمم الأفريقية 2008 بعد خسارته أمام غينيا، مما أضاف إلى سلسلة الإخفاقات في التصفيات القارية.

كلّفت إقالة المدرب الإسباني ألكاراز (Alcaraz) خزينة الاتحاد الجزائري لكرة القدم (الفاف) مبالغ طائلة، حيث بلغت التعويضات المدفوعة له ما لا يقل عن 20 مليار سنتيم. هذا الرقم الضخم يعكس التكلفة الباهظة لقرارات التغيير المتسرعة. كما كلّفت إقالة مدربين آخرين مثل رايفاتش (Ražovac) مبلغ 80 ألف دولار كتعويضات، وهو ما يبرز الأعباء المالية التي تتحملها الفاف نتيجة عدم استقرار الطواقم الفنية. وكان ألكاراز قد عاد لتدريب المنتخب في كأس الأمم الأفريقية 2017، ليحل محل رايفاتش الذي أقيل بعد التعادل مع الكاميرون في تصفيات كأس العالم 2018، في محاولة لإنقاذ الموقف لم تكن موفقة.

استثناءات بارزة تركت بصمة إيجابية

بينما يشير الكثير من المتتبعين والعارفين ببيت المنتخب الوطني إلى الفشل الذريع لأغلب المدربين الأجانب على مر السنين، ترك بعض التقنيين بصمات إيجابية مع "الخضر"، بحسب هؤلاء المتتبعين. هذه الاستثناءات القليلة تؤكد أن النجاح ممكن مع المدرب الأجنبي المناسب، الذي يمتلك رؤية واضحة وقدرة على التكيف مع خصوصيات كرة القدم الجزائرية.

ويبرز من هؤلاء المدربين رايكوف وروغوف خلال الثمانينيات، وصولًا إلى وحيد خاليلوزيتش وغوركوف وبيتكوفيتش في الألفية الجديدة، فيما فشلت بقية الأسماء التي تم العمل معها فشلاً ذريعاً. هذه الأسماء أثبتت قدرتها على قيادة المنتخب لتحقيق إنجازات تاريخية أو نتائج إيجابية تركت أثراً في ذاكرة الجماهير.

يُعد الفرنسي لوسيان لوديك أول مدرب أجنبي يتولى قيادة المنتخب الجزائري بعد الاستقلال، وقد قاد الفريق للتأهل إلى كأس الأمم الأفريقية 1968، وهو إنجاز مبكر ومهم في مسيرة المنتخب. وخلال حقبة الثمانينيات، ترك المدرب الصربي رايكوف بصمة واضحة، حيث وصل بالمنتخب إلى نهائي كأس الأمم الأفريقية 1980، وحقق الميدالية البرونزية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، كما بلغ ربع نهائي الألعاب الأولمبية. هذه الإنجازات المتعددة تحت قيادته رسخت مكانته كأحد أبرز المدربين الأجانب. في الفترة ذاتها، ساهم الروسي روغوف في تأهل المنتخب الجزائري إلى كأس العالم 1982، وهو إنجاز تاريخي للمرة الأولى في تاريخ الجزائر، وحصل على المركز الثالث في كأس الأمم الأفريقية 1988، مما يؤكد استمرارية النجاحات في تلك الحقبة الذهبية.

في الألفية الجديدة، يعتبر البوسني وحيد خاليلوزيتش أفضل مدرب أجنبي قاد المنتخب الجزائري، حيث وصل بالفريق إلى الدور الثاني من كأس العالم 2014، وهو إنجاز تاريخي غير مسبوق للمنتخب في البطولة العالمية. كما تمكن الفرنسي غوركوف من قيادة المنتخب للتأهل إلى ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2015، مما حافظ على حضور الجزائر القاري. وفي الإنجازات الحديثة، وصل بيتكوفيتش بالمنتخب إلى ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 وتأهل إلى كأس العالم 2026 في أمريكا، حيث بلغ الدور الثاني، مما يضيف إنجازاً عالمياً جديداً للمنتخب.

على صعيد الإنجازات القارية والعالمية، وصل المنتخب الجزائري إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية 2010 تحت قيادة المدرب رابح سعدان، وهو إنجاز مشرف. وفي إنجاز بارز، فاز المنتخب بلقب كأس الأمم الأفريقية 2019 مع المدرب جمال بلماضي، وهو اللقب الثاني في تاريخ الجزائر، مما يعتبر قمة النجاح الكروي للجيل الحالي. وقد تأهل المنتخب الجزائري إلى نهائيات كأس العالم ثلاث مرات، كانت اثنتان منها تحت قيادة مدربين أجانب: في 2010 مع سعدان، و2014 مع خاليلوزيتش، وفي 2026 مع بيتكوفيتش. هذه المشاركات العالمية تؤكد قدرة المنتخب على المنافسة على أعلى المستويات. وعلى النقيض من هذه النجاحات، فشل الروماني فالنتين ماكري الذي أشرف على المنتخب بين عامي 1974 و1975 في تصفيات كأس الأمم الأفريقية 1976 والألعاب الأولمبية، مما يبرز التباين الكبير في أداء المدربين الأجانب.

مقارنة فترات بقاء المدربين الأجانب

شهدت فترات بقاء المدربين الأجانب مع المنتخب الجزائري تذبذباً كبيراً، حيث لم يتمكن العديد منهم من إكمال عام واحد في منصبهم. هذا النقص في الاستقرار الفني غالباً ما يكون سبباً رئيسياً في عدم تحقيق النتائج المرجوة، إذ يحتاج المدرب وقتاً كافياً لتطبيق فلسفته وتطوير الفريق. استمر سبعة مدربين أجانب في قيادة المنتخب لأقل من سنة، بينما غادر أحد عشر مدرباً مناصبهم قبل مرور ستة أشهر على تعيينهم، مما يشير إلى دورة سريعة من التغييرات التي لا تتيح للمدربين فرصة حقيقية للعمل.

وعلى الرغم من هذه التغيرات المتكررة، تميزت بعض الفترات بالاستقرار النسبي لمدربين محددين. فخلال 26 عاماً، استمر المدرب جمال بلماضي في قيادة المنتخب لمدة خمس سنوات ونصف، محققاً إنجازات بارزة، مما يؤكد أن الاستقرار يمكن أن يؤدي إلى نجاحات كبيرة. كما قاد كل من المدربين سعدان وحيد خاليلوزيتش الفريق لمدة ثلاث سنوات لكل منهما، وهي فترات سمحت لهما ببناء فرق قوية وتحقيق إنجازات هامة. بينما استمر المدربان غوركوف وبيتكوفيتش في منصبيهما لمدة عامين، وهي فترات معقولة نسبياً شهدت تحقيق أهداف محددة. في المقابل، بلغت فترة بقاء المدرب ميخائيل كافالي 17 شهراً، وهي فترة متوسطة لم تكن كافية لتحقيق التأهل لكأس الأمم الأفريقية 2008.

تداعيات الفشل على مسيرة المنتخب

أدت فترات الفشل التي شهدها المنتخب الجزائري تحت قيادة بعض المدربين الأجانب إلى تداعيات على مسيرته في البطولات القارية والعالمية. هذه التداعيات لم تقتصر على النتائج المباشرة، بل امتدت لتؤثر على تصنيف المنتخب وثقة الجماهير في قدرته على المنافسة. ففي كأس الأمم الأفريقية، غاب المنتخب عن ثلاث نسخ هي 2006 و2008 و2012، مما يعكس تراجعاً واضحاً في قدرته التنافسية خلال تلك الفترات التي تزامنت مع فترات عدم استقرار وتغيير متكرر للمدربين الأجانب.

كما امتدت هذه التداعيات إلى المشاركات في كأس العالم، حيث فشلت الجزائر في التأهل لأربع نسخ من البطولة العالمية، وهي 2002 و2006 و2018 و2022. هذه الإخفاقات في التأهل للبطولتين الأبرز على المستويين القاري والعالمي تسلط الضوء على الصعوبات التي واجهها المنتخب في تحقيق الاستمرارية والنجاحات المرجوة تحت إشراف عدد من المدربين الأجانب الذين لم يتمكنوا من إيجاد التوليفة المناسبة أو لم يحظوا بالوقت الكافي لتطبيق خططهم. هذا السجل المتقلب يثير تساؤلات حول الاستراتيجية المتبعة في اختيار المدربين الأجانب وضرورة تقييمها بشكل مستمر لضمان تحقيق الأهداف المرجوة للمنتخب الوطني.