خلاف نووي بين فرنسا والجزائر: اتهامات بحجب المعلومات حول التلوث الإشعاعي

France Expounds Its Narrative Regarding The Resolution Of The Vexed Nuclear Explosions Issue
الصورة عبر Echoroukonline

عرضت السلطات الفرنسية روايتها بشأن المطالبات المتكررة من نظيرتها الجزائرية بخصوص تحمل مسؤولياتها الكاملة في معالجة قضية التلوث الإشعاعي والكيميائي، الناجم عن التجارب النووية والكيميائية الفرنسية في جنوب الجزائر بين عامي 1960 و1966. جاءت هذه التوضيحات الفرنسية رداً على سؤال كتابي من سابرينا سبايحي، عضو الجمعية الوطنية الفرنسية، التي سعت للحصول على إيضاحات حول موقف باريس من هذا الملف الشائك. قدمت كاثرين فوتران، الوزيرة الفرنسية المنتدبة للقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى، الخطوات التي اتخذتها بلادها في هذا الصدد، مؤكدة على أن فرنسا قد قامت بما كان مفترضاً عليها.

وفي تصريحاتها، أوضحت الوزيرة فوتران أن فرنسا أجرت 17 تجربة نووية في الجزائر خلال الفترة المذكورة. وصرحت الوزيرة قائلة: "بين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الجزائر، في موقعي رقان وعين أكر، منها 4 تجارب في الغلاف الجوي و13 تجربة تحت الأرض. تم تفكيك المنشآت وأعيدت المواقع إلى السلطات الجزائرية، وفقاً لاتفاقيات إيفيان". هذه التصريحات جاءت في سياق يهدف إلى تبرير الإجراءات الفرنسية المتبعة منذ انتهاء تلك التجارب وحتى الآن، في مواجهة المطالبات الجزائرية المستمرة.

تاريخ التفجيرات الفرنسية في الجزائر وتداعياتها

بين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الجزائر، وفقاً لتصريحات كاثرين فوتران، الوزيرة الفرنسية المنتدبة للقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى. وقد أشارت الوزيرة إلى أن هذه التجارب جرت في موقعي رقان وعين أكر بالجزائر، وهما من المواقع الاستراتيجية التي اختيرت لإجراء هذه الاختبارات الحساسة. وشملت التجارب أربع تفجيرات في الغلاف الجوي، مما أثار مخاوف واسعة بشأن انتشار الإشعاع في المنطقة، بالإضافة إلى ثلاث عشرة تجربة تحت الأرض، والتي كانت تهدف إلى تقليل الانبعاثات السطحية ولكنها تركت تلوثاً باطنياً.

وأكدت فوتران، في تصريحها، أنه تم تفكيك المنشآت بعد هذه العمليات النووية، في إشارة إلى جهود فرنسا لإزالة آثار البنية التحتية الخاصة بالتجارب. وأضافت أن المواقع أعيدت إلى السلطات الجزائرية، وذلك تماشياً مع اتفاقيات إيفيان التي أُبرمت بين الطرفين، والتي نصت على انتقال السيادة الكاملة على الأراضي الجزائرية. هذه التصريحات جاءت في سياق توضيحات فرنسية حول مطالبات جزائرية متكررة تتعلق بمسؤوليات فرنسا تجاه التلوث الإشعاعي والكيميائي الناجم عن تلك التجارب في جنوب الجزائر، والذي لا يزال يمثل مصدر قلق كبير للسلطات والشعب الجزائري.

جهود التقييم والتعاون الدولي في ملف التجارب النووية

في عام 1999، وبناءً على طلب الجزائر، أرسلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بعثة لتقييم الوضع الإشعاعي للمواقع السابقة للتجارب النووية الفرنسية. وقد شكلت هذه البعثة خطوة مهمة نحو فهم حجم المشكلة وتداعياتها. في هذا السياق، قدمت فرنسا للوكالة ملخصاً للمعلومات المتعلقة بموقع الاختبار والتقنيات المستخدمة في التفجيرات، مما يعكس مستوى من التعاون في توفير البيانات الأولية. كما قدمت فرنسا تقييماً إشعاعياً للمواقع بين عامي 1966 و1967، وهي الفترة التي تلت مباشرة انتهاء التجارب، بالإضافة إلى استقراء للوضع حتى عام 1999، بهدف إظهار تطور مستويات الإشعاع على مر السنين. وقد نُشر التقرير الأولي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2005 بعد تعديله وبموافقة السلطات الجزائرية، مما يشير إلى عملية مراجعة وتوافق بين الطرفين على محتواه.

وفي سياق متصل بالجهود المبذولة لتقييم الآثار، عرض تقرير صادر عن المكتب البرلماني الفرنسي لتقييم الخيارات العلمية والتكنولوجية في عام 2001 دراسة مستفيضة حول الآثار البيئية والصحية للتجارب النووية التي أجرتها فرنسا بين عامي 1960 و1966. وقد ساهم هذا التقرير في تسليط الضوء على الأبعاد العلمية والبيئية للقضية داخل الأوساط الفرنسية. وتواصلت هذه الجهود بتشكيل مجموعة عمل فرنسية جزائرية معنية بالتجارب النووية في عام 2008، ضمت خبراء من كلا البلدين لدراسة إعادة تأهيل مواقع التجارب النووية السابقة في الصحراء. هذه المجموعة كانت تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي في معالجة الآثار المتبقية لتلك التجارب.

ومؤخراً، في خطوة اعتبرت إيجابية من الجانب الفرنسي، قدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون، خلال زيارته للجزائر في الفترة من 25 إلى 27 أغسطس 2022، ملفاً يحتوي على جميع الخرائط والمعلومات التي تمتلكها فرنسا بشأن النفايات المدفونة والمناطق المحددة إشعاعياً. وقد جاءت هذه المبادرة في إطار مساعي فرنسا لتعزيز الثقة وإظهار حسن النية في التعامل مع هذا الملف الحساس، على الرغم من أن الجانب الجزائري لا يزال يرى أن هناك المزيد مما يجب تقديمه.

موقف الجزائر والمطالب المستمرة

تطالب الجزائر حتى الآن باريس بتسليم خرائط مفصلة تتعلق بجميع الانفجارات النووية ومناطق دفن النفايات الإشعاعية. هذه المطالبات ليست جديدة، بل هي جزء من جهد مستمر من قبل السلطات الجزائرية للحصول على جميع المعلومات الضرورية لتقييم الأضرار ومعالجتها بشكل فعال. وفي هذا السياق، ذكرت سابرينا سبايحي، عضو الجمعية الوطنية الفرنسية، أن السلطات الجزائرية تطالب بخرائط وخطط مفصلة تتعلق بالنفايات المدفونة. وأضافت سبايحي في تصريح لها: "السلطات الجزائرية تطالب بخرائط وخطط مفصلة تتعلق، أولاً، بالنفايات المدفونة، وثانياً، ببيانات دقيقة حول المناطق المشعة". وتأتي هذه المطالبات في إطار سعي الجزائر للحصول على معلومات وافية وشفافة حول مواقع التجارب النووية الفرنسية السابقة في جنوب البلاد، والتي جرت بين عامي 1960 و1966، بهدف تحديد المناطق الملوثة بدقة والعمل على تطهيرها.

تؤكد الجزائر على أن هذه المعلومات ضرورية ليس فقط لتقييم الأضرار البيئية والصحية، ولكن أيضاً لتحديد المسؤوليات بشكل كامل وتمكين الضحايا من الحصول على حقوقهم. المطالب الجزائرية تتجاوز مجرد تسليم الوثائق؛ فهي تركز على الحاجة إلى تعاون شامل يضمن معالجة جذرية لهذه القضية الإنسانية والبيئية المعقدة.

رؤية الخبراء الجزائرية حول الملف

يرى حسني كيتوني، الأستاذ والباحث في التاريخ الاستعماري، أن السلطات الفرنسية لا تتعامل بجدية كافية مع ملف التجارب النووية. وأوضح كيتوني أن فرنسا لا تزال ترفض تسليم خرائط وخطط التفجيرات النووية والكيميائية، بالإضافة إلى مواقع النفايات المدفونة والمعدات المستخدمة في تلك التجارب، مما يعيق جهود الجزائر في معالجة هذه الآثار. وصرح كيتوني قائلاً: "المشكلة هي أن فرنسا لا تزال ترفض تسليم خرائط وخطط التجارب النووية والكيميائية، ومواقع النفايات المدفونة والمعدات المستخدمة لذلك". وعزا كيتوني هذا الرفض إلى مبررات فرنسية غير مقنعة، مثل "السرية العسكرية"، التي يرى أنها تستخدم كذريعة لحجب المعلومات الحيوية.

كما أشار إلى أن "السرية العسكرية" التي تتذرع بها فرنسا قد أعاقت الكثير من الأبحاث التي أجراها المتخصصون في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر، مما يمنع الكشف الكامل عن الحقيقة التاريخية. وأكد كيتوني أن المشكلة في هذا الصدد "سياسية وليست تقنية"، مشدداً على أن القرار يكمن في الإرادة السياسية الفرنسية وليس في تعقيدات تقنية تتعلق بالوثائق. ويعتقد كيتوني أن المسؤولين الفرنسيين يخشون من كشف حقيقة جرائمهم وتداعياتها المحتملة. ويرى أن أي تنازل لصالح الجزائر في هذا الملف، والذي قد يؤدي إلى تعويضات للضحايا والمتضررين، سيدفع دولاً أخرى تضررت من الاستعمار الفرنسي للمطالبة بتعويضات مماثلة، وهو ما تخشاه باريس وتعمل على تجنبه من خلال التمسك بموقفها الحالي. هذه الرؤية تعكس عمق التعقيدات التاريخية والسياسية التي تحيط بملف التجارب النووية وتجعل من التوصل إلى حل شامل أمراً صعباً.