شهدت ولاية خنشلة بعد ظهر يوم السبت اندلاع حريق هائل بغابة حمام الصالحين، مما استدعى استجابة فورية من مختلف الجهات الرسمية والأهلية. وقد ساهمت الرياح القوية وارتفاع درجات الحرارة القياسية في تسارع انتشار ألسنة اللهب بشكل غير مسبوق، وفقًا للتقارير الأولية الصادرة عن السلطات المحلية. هرعت فرق الحماية المدنية ومصالح الغابات والجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني ومصالح الأمن إلى الموقع للسيطرة على الحريق والحد من امتداده. بالتوازي مع هذه الجهود الرسمية، شارك مواطنون من مختلف الأعمار في جهود مكافحة النيران وتقديم الدعم اللوجستي والمعنوي لفرق التدخل، مما عكس تضامناً مجتمعياً واسعاً وتكاتفاً لافتاً في مواجهة هذه الكارثة الطبيعية.
تعبئة شاملة لمواجهة الكارثة وتداعياتها
في إطار تعزيز القدرات الميدانية، عززت قوافل متنقلة قادمة من ولايتي أم البواقي (Oum El Bouaghi) وباتنة (Batna) جهود التدخل في موقع حريق غابة حمام الصالحين بخنشلة، حيث انضمت إليها قوات إضافية من الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني، مزودة بالعتاد اللازم. وقد تم نشر هذه القوات لدعم فرق الإطفاء البرية وتأمين المناطق المحيطة. وفي دعم جوي مباشر وحاسم، شاركت أربع مروحيات تابعة للقوات الجوية للجيش، والحماية المدنية، والدرك الوطني في عمليات الإخماد والمراقبة الجوية، حيث قامت بطلعات متواصلة لإسقاط المياه على البؤر المشتعلة وتحديد مسارات انتشار النيران.
بالتزامن مع الجهود الميدانية والجوية، أعلنت مصالح الاستعجالات الطبية حالة استنفار قصوى في المستشفيات والعيادات القريبة، ووضعت خططًا طارئة للتعامل مع أي إصابات محتملة نتيجة الحريق. وقد استقبلت هذه المصالح العشرات من الحالات التي تنوعت بين إصابات وحروق ومشاكل تنفسية ناجمة عن استنشاق الدخان الكثيف وارتفاع درجات الحرارة في محيط الحريق. كما لعب أصحاب صهاريج المياه دورًا محوريًا وملموسًا في إمداد المناطق المتضررة بالمياه اللازمة لجهود الإخماد، حيث عملوا على مدار الساعة لتوفير هذا المورد الحيوي لفرق الإطفاء والمتطوعين.
مبادرات مجتمعية وأعمال بطولية فردية وجماعية
في خضم الكارثة، برزت مبادرات مجتمعية عديدة وأعمال بطولية جسدت روح التضامن. قام متطوعون من الهلال الأحمر الجزائري بخنشلة، إلى جانب متطوعين شباب آخرين من أبناء المنطقة، بإنقاذ أكثر من 40 خلية نحل في مشتة بن ناجي ببلدية الحامة. وقد جاء هذا الجهد البطولي ضمن المبادرات المجتمعية الرامية إلى التخفيف من تداعيات حريق غابة حمام الصالحين وحماية الثروة الحيوانية المحلية.
وفي سياق متصل بهذه الجهود الوقائية، تم إبعاد 37 إطاراً مطاطياً كانت تحيط بمنحل في المنطقة المتضررة، وذلك لمنع اشتعالها وانتقال النيران إليها وتجنب تفاقم الوضع. عكست هذه الخطوة الوعي الكبير بضرورة إزالة أي مواد قابلة للاشتعال بالقرب من مناطق الخطر، مما ساهم في حماية ممتلكات المواطنين.
كما برزت أعمال بطولية فردية تستحق التقدير، حيث قام الشاب يزيد لعباسي بعمل بطولي بإنقاذ طفل من الحريق الذي كان يهدد حياته، وتم نقله لاحقاً إلى مستشفى أحمد بن بلة لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، حيث يتلقى العلاج حالياً. وتُظهر هذه الحادثة المخاطر الجسيمة التي واجهها المتطوعون والمدنيون في الميدان وشجاعتهم في مواجهة الخطر.
استخدم المواطنون هواتفهم المحمولة بفعالية كبيرة للتنسيق بين الفرق المختلفة، وإصدار التحذيرات المبكرة، وطلب الموارد الضرورية، وتوجيه المتطوعين إلى النقاط الأكثر حاجة، مما ساهم بشكل كبير في تنظيم الجهود الشعبية وتوجيهها بفاعلية. وقد أتاحت قاعة الأفراح صياد ومنتزه "آيت حاج" مرافقهما لدعم وحدات الإطفاء والمتطوعين، حيث قدما المياه والموارد اللازمة للمشاركين في جهود مكافحة الحريق، مما يؤكد على التضامن المجتمعي الواسع والتعاون الفعال خلال هذه الأزمة.
دروس مستفادة من الحادث وتوصيات للمستقبل
أفاد طه شخاب، أحد سكان المنطقة المتضررة، بأن الحريق كشف عن نقص حاد في الإمكانات المادية والتجهيزات اللوجستية لدى مصالح الحماية المدنية، مشيراً إلى أن هذه المصالح "تفتقر للوسائل الكافية لمكافحة مثل هذه الحرائق الكبيرة والممتدة". وأكد أن ضعف التغطية الجوية بالطائرات والمروحيات المخصصة لإخماد النيران فاقم من الوضع، مما تطلب جهوداً إضافية ومضنية على الأرض من قبل الفرق البرية والمتطوعين. من جانبه، دعا خالد كوشار، رئيس بلدية الحامة، إلى ضرورة إطلاق مخطط استعجالي وشامل لمنع تكرار مثل هذه الكوارث المدمرة في المستقبل، مشدداً على أهمية توفير عتاد متخصص ومتطور لمكافحة الحرائق وتجهيزات فردية حديثة للوقاية من الدخان والمخاطر الأخرى للعاملين في الميدان. وأشار كوشار إلى أن البلدية "لا تملك الإمكانات الكافية لتغطية احتياجات مجابهة الحرائق الكبرى"، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً وفعالاً من السلطات العليا لتوفير الدعم اللازم.