تحول القوة العالمية: هل تتبع أمريكا نموذج الصين؟

يمكن اعتبار الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، أول صدام حقيقي بين نموذجين مختلفين يسعيان للتأثير العالمي: النموذج الصيني والنموذج الأمريكي. تُعد هذه المواجهة، بكل أبعادها وتداعياتها، بمثابة أول صدام حقيقي بين هذين النموذجين العالميين المتنافسين. لا يقتصر هذا الصراع بالضرورة على مواجهات الصواريخ والطائرات المسيرة، بل يتعلق بعواقبه والسيطرة على منطقة الخليج الحساسة، الأمر الذي يمكن أن يغير موازين القوى بشكل جذري. يمكن لهذه الحرب أن تحدث "تسونامي" قوياً في النظام الدولي الحالي، وفي العلاقات الدولية برمتها، وكذلك في المكانة المستقبلية للولايات المتحدة الأمريكية. تُعرف منطقة الخليج بأنها المنطقة الأكثر أهمية في العالم، فهي بمثابة "فم الجرح" الذي يتسبب اضطرابه في ألم عالمي واسع النطاق، يؤدي إلى الجوع والتضخم، ويؤثر على الاستقرار الاقتصادي والسياسي عالمياً.

عجز القوة العسكرية أمام توازنات جديدة

كشفت الحرب الأخيرة في الخليج أن القوة العسكرية المطلقة وحدها لا يمكنها تحقيق نصر استراتيجي حاسم. فعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة لقوة عسكرية قصوى، واجهت إيران ذلك بقوة الجغرافيا والاقتصاد والأيديولوجيا والتكنولوجيا، إضافة إلى تدخل صيني غير مباشر. وقد هيمنت الولايات المتحدة على هذه المنطقة واستثمرت فيها بشكل مكثف، حيث أقامت قواعد عسكرية بين عامي 1953 و1978، في فترة كانت فيها إيران حليفة لها. لكن الولايات المتحدة لم تحقق النصر المنشود في الصراع الأخير بالخليج، مما أظهر حدود القوة العسكرية وحدها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأكد أن الاعتماد الكلي عليها لم يعد كافياً في مواجهة التحديات المعاصرة. وتاريخياً، خاضت الولايات المتحدة حروباً في فيتنام والعراق وأفغانستان والصومال، ومؤخراً إيران، وخرجت من هذه الصراعات مصابة أو مهزومة، مما يعزز فكرة أن القوة العسكرية المطلقة ليست الضامن الوحيد للنصر، وأن هناك عوامل أخرى أصبحت تلعب دوراً حاسماً على الساحة الدولية.

صعود الصين ونموذجها الاقتصادي السلمي

برزت الصين كقوة عالمية كبرى دون الحاجة إلى اللجوء للعمليات العسكرية، إذ خرجت من العالم الثالث دون إطلاق رصاصة واحدة، ولم تخسر جنوداً في نزاعات ولم تثر عداوة عالمية جراء صراعات مسلحة. انتشرت النفوذ الصيني عالمياً عبر استراتيجيات اقتصادية ناعمة تركز على السلام، متوسعة بصمت من خلال طرق التجارة مثل طريق الحرير والتوابل، بدلاً من الاعتماد على الطائرات، القنابل، الصواريخ، والسفن الحربية. هذا النهج السلمي والاقتصادي مكن الصين من ترسيخ مكانتها كقوة عالمية مؤثرة دون التورط في صراعات عسكرية مكلفة، مما جعلها نموذجاً فريداً في بناء القوة والنفوذ.

يُتوقع أن يؤدي الدعم الصيني القوي والمتحمس لإيران إلى تعزيز جرأتها في المنافسة الإقليمية والدولية. قد يدفع هذا الدعم إيران في وقت لاحق إلى المطالبة بانسحاب القواعد العسكرية الأمريكية من المنطقة، مما قد يغير موازين القوى ويُحدث تحولات جيوسياسية عميقة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة لم تحقق النصر المرجو في الصراع الأخير بالخليج. هذا التطور يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الخليج الحيوية، وقد يقلص من قدرتها على فرض إرادتها العسكرية في المنطقة.

تداعيات الصراع على الهيمنة الأمريكية

بدون منطقة الخليج وأرباحها، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح القوة الاقتصادية الرائدة عالميًا. يمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى إضعاف نفوذ الولايات المتحدة في الخليج وخسارة قيادتها العالمية لصالح الصين، مما ينذر بتحول كبير في النظام الدولي. إذا لم تغير الولايات المتحدة الأمريكية سياستها وأسلوبها بسرعة من العدواني إلى اللطيف، ومن المتغطرس إلى المتواضع، فقد تخسر المعركة الكبرى أمام الصين وحلفائها مثل روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وإيران. قد يحدث تحول عالمي كبير حيث يتعرف الناس على "الألوان" بدلاً من "الدولارات"، ويتعلم الأطفال اللغة الصينية بدلاً من الإنجليزية، في إشارة إلى تغير مراكز النفوذ الثقافي والاقتصادي، وتراجع الهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود.

مسارات أمريكا المستقبلية: تقليد الصين أو التراجع

تُدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن الهزيمة أصبحت حقيقة ملموسة بعد الحرب ضد إيران، وأنها للبقاء على الساحة الدولية يجب أن تحاكي الصين أو تتراجع إلى المرتبة الثانية. تمتلك الولايات المتحدة مسارين لحماية مصالحها في الخليج والعالم: التصالح مع إيران وتطبيع العلاقات من موقع الندية، أو محاكاة النهج الصيني. يُعد تبني النهج الصيني أسهل بكثير من تطبيع العلاقات مع إيران، نظراً للتعقيدات التاريخية والسياسية التي تحيط بالعلاقة بين البلدين. يتطلب اتباع مسار الصين أن توقف الولايات المتحدة سياساتها المتغطرسة، وسياسة التدخل والإملاء، وأن تنظر إلى العالم بشكل مختلف، وأن تستخدم سلاح الدولار وكسب الثقة عبر الصفقات بدلاً من القوة العسكرية المباشرة. تتطلب سياسة التحول التي تجعل من الولايات المتحدة صيناً جديدة سباقاً مع الزمن، بدءاً من اليوم، وإلا ستستغل الصين تردد الولايات المتحدة وعدم يقينها لتُقدم جنودها على رقعة الشطرنج العالمية، مؤكدة بذلك مكانتها كقوة عالمية صاعدة، ومستفيدة من أي تراجع أو تقاعس أمريكي.