بنك الجزائر يحدد شروط عمليات خصم الديون التجارية

حدد بنك الجزائر، اليوم، نظاماً جديداً ومتكاملاً لشروط وإجراءات عمليات خصم الديون التجارية، في خطوة محورية تهدف إلى تنظيم هذه المعاملات المالية الحيوية في البلاد وتأطيرها بشكل فعال. وقد جاء هذا النظام ليضع إطاراً واضحاً ودقيقاً لعمليات الخصم (Factoring)، التي تُعرّف بأنها عملية تقوم فيها المؤسسة (المُحيل) بتحويل ديونها التجارية المستحقة إلى بنك أو مؤسسة مالية (الوسيط) للحصول على دفع فوري لتلك الديون، مع تحمل الوسيط لمخاطر عدم السداد المرتبطة بها. يُعد هذا الإجراء بمثابة آلية تمويلية تتيح للمؤسسات تحويل أصولها المستحقة إلى سيولة نقدية فورية، مما يعزز من قدرتها على إدارة التدفقات النقدية وتحسين وضعها المالي.

وصنف بنك الجزائر عمليات الخصم ضمن عمليات القروض، مما يضعها تحت إطار تنظيمي واضح ومحدد، ويضمن تطبيق نفس معايير الرقابة والحوكمة المطبقة على التمويلات الأخرى. كما نص النظام على أن ممارسة عمليات الخصم مقتصرة حصراً على البنوك والمؤسسات المالية المرخص لها، وذلك لضمان الامتثال للمعايير المالية الصارمة والحد من المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن ممارسة هذه العمليات من قبل جهات غير مؤهلة أو غير خاضعة للرقابة. هذا التقييد يهدف إلى حماية الأطراف المتعاملة وتعزيز استقرار النظام المالي.

شروط تأهيل الديون التجارية للخصم

في إطار سعيه لضمان سلامة وفعالية عمليات الخصم، حدد بنك الجزائر بدقة أن الديون التجارية المؤهلة لعمليات الخصم يجب أن تكون موثقة بفواتير أو مستندات مكافئة، مثل سندات الطلب أو عقود البيع، لضمان صحتها وقابليتها للتحقق. وقد أوضح البنك سبعة شروط رئيسية يجب استيفاؤها بشكل كامل لتأهيل هذه الديون لعملية الخصم. هذه الشروط تهدف إلى تقليل المخاطر التشغيلية والمالية المرتبطة بهذه العمليات.

ومن بين هذه الشروط الأساسية، نص البنك على أن الديون المؤهلة يجب أن تكون مثبتة في السجلات المحاسبية للمحيل، وأن تكون سائلة أي قابلة للتحويل إلى نقد بسهولة، ومحددة القيمة بشكل واضح ودقيق، مما يسهل تقدير قيمتها وتحصيلها. يشترط النظام ألا تكون الديون محل نزاع من قبل المدين، سواء كان نزاعاً قانونياً أو تجارياً، وذلك لضمان سهولة تحصيلها وتجنب التعقيدات القانونية التي قد تعيق عملية الخصم. واشترط بنك الجزائر أيضاً ألا تتجاوز مدة استحقاق الدين ستة أشهر من تاريخ إصدار الفاتورة الأصلية أو المستند المكافئ، مما يضمن أن تكون الديون حديثة وقريبة من تاريخ استحقاقها.

كما أكد البنك على عدم أهلية الديون التي تم تسويتها، كلياً أو جزئياً، عن طريق الدفع المباشر، أو المقاصة، أو أي وسيلة قانونية أخرى تؤدي إلى انقضاء الدين، وذلك لتجنب خصم ديون غير موجودة أو تم تسويتها بالفعل. ولتكون الديون مؤهلة لعملية الخصم، يجب أن تكون قابلة للتحويل بحرية وغير خاضعة لأي حظر قانوني أو تنظيمي أو تعاقدي يعيق عملية التحويل إلى الوسيط المالي، مما يضمن حق الوسيط في المطالبة بالدين. لا ينبغي أن تكون الديون مرهونة أو محملة بأي ضمانات أخرى، مثل الرهن أو الامتياز، أو أي حقوق عينية أخرى قد تؤثر على حقوق الوسيط المالي في تحصيل الدين أو تضعف من موقفه.

يُحظر النظام أيضاً أن تشمل عمليات الخصم مديناً في حالة إعسار، أو تسوية قضائية، أو تصفية أصول، أو أوضاع مماثلة تشير إلى صعوبات مالية جدية، حيث أن هذه الحالات تزيد بشكل كبير من مخاطر عدم السداد. وأخيراً، نص بنك الجزائر على منع خصم الديون التي خضعت لتمديد في تاريخ استحقاقها الأصلي، وذلك للحفاظ على طبيعة الدين كدين قصير الأجل وتجنب الديون التي قد تكون مؤشراً على صعوبات في السداد.

آلية التعاقد وإجراءات الإحلال

تتطلب عمليات الخصم إبرام عقد مكتوب بين المحيل والوسيط المالي قبل منح أي تمويل من قبل الوسيط، وذلك لضمان الشفافية وتحديد حقوق والتزامات كل طرف بوضوح. ويشدد بنك الجزائر على بطلان عقود الخصم التي تهدف إلى تمويل ديون سبق تمويلها بموجب عقد خصم آخر، في خطوة حاسمة لضمان عدم ازدواجية التمويل وتجنب الممارسات المالية غير السليمة. وتنتقل جميع الحقوق والضمانات المرتبطة بالديون التجارية، بما في ذلك الحق في المطالبة بالدين وأي ضمانات شخصية أو عينية مرتبطة به، إلى الوسيط بمجرد إحالة الدين، مما يمنح الوسيط كامل الصلاحية لتحصيل الدين. ويحل الوسيط محل المحيل في ممارسة الحقوق ضد المدين دون الحاجة إلى موافقة المدين، مما يسهل عملية التحصيل ويجعل الوسيط المالك الشرعي للحق في الدين.

ويلزم النظام الجديد المحيل بإبلاغ المدين بالإحالة دون تأخير، وذلك عبر رسالة مسجلة مع إشعار بالاستلام أو أي وسيلة كتابية أخرى تضمن وصول الإشعار الرسمي بالتحويل إلى المدين. كما يجب على المحيل أن يضع بوضوح مصطلح "الإحلال" على جميع الفواتير الخاضعة لعملية الخصم، ليكون المدين على علم بأن الدين قد تم تحويله إلى طرف ثالث. وبعد إتمام عملية الدفع من قبل المدين، يتوجب على الوسيط الحصول على "مخالصة الإحلال" من المحيل، مما يؤكد تسوية الدين وإنهاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين بخصوص هذا الدين المحدد.

التكاليف والالتزامات الرقابية

يتكون أجر الوسيط المالي من عمولة تمويل، وهي المقابل المالي لاستخدام رأس المال المقدم للمحيل، وعمولة خصم، التي تغطي خدمات الإدارة والمتابعة والتحصيل المتعلقة بالديون التجارية، بالإضافة إلى تحمل مخاطر عدم السداد. وتلزم البنوك والمؤسسات المالية بتقديم بيانات عمليات الخصم إلى مديرية المخاطر المركزية التابعة لبنك الجزائر بشكل دوري ومنتظم، في إطار الالتزامات الرقابية المحددة التي تهدف إلى مراقبة وتقييم المخاطر المالية. كما تخضع عمليات الخصم لنفس القواعد المطبقة على الديون الأخرى فيما يتعلق بالتصنيف وتكوين المخصصات، وذلك لضمان تقييم صحيح للمخاطر المحتملة وتغطيتها بشكل مناسب. وقد ألغى النظام الجديد أحكاماً تنظيمية سابقة كانت تتعلق بالعمليات المصرفية، والأنشطة التجارية، والرقابة الداخلية، والمخاطر الكبرى، ونسب الملاءة، وتكوين المخصصات، مما يعكس تحديثاً شاملاً للإطار التنظيمي وتوحيداً للمعايير المطبقة في القطاع المصرفي والمالي.