تُعاني غزة من أزمة مياه حادة تهدد الحياة، حيث دُمر ما يقرب من 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي خلال عامين ونصف من الحرب، نتيجة للسياسات والهجمات الإسرائيلية. يُوصف الوضع في القطاع بأنه "ندرة مُهندسة" تخلق بيئة غير صالحة للعيش، وتشير تقارير إلى أن أزمة المياه هذه مقصودة وذات طابع سياسي وليست عرضية. يُعد الحصول على المياه النظيفة حجر الزاوية في الصحة العامة، وهو ما يفتقر إليه سكان غزة بشكل متزايد. هذا هو التقرير الثالث لمنظمة "أطباء بلا حدود" الذي يحذر من السياسات العدوانية للاحتلال ضد سكان قطاع غزة المحاصر.
تدمير ممنهج للبنية التحتية الحيوية
يوصف تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي بأنه استهداف ممنهج ومباشر لوسائل عيش السكان لدفعهم نحو التهجير. يمكن أن يستمر تلوث المياه الجوفية نتيجة لتدمير شبكات الصرف الصحي لسنوات، مما يزيد من تعقيد جهود إعادة الإعمار. في وقت سابق من هذا الشهر، تسببت شظايا من غارة جوية إسرائيلية في إلحاق أضرار بخط الكهرباء لمحطة تحلية دير البلح، مما أدى إلى تشغيلها بنسبة 20% من طاقتها لمدة أسبوع، حسب ما أفادت به رويترز. تفرض إسرائيل قيوداً على مواد مثل الأنابيب والوقود والأسمنت والكلور، وتصنفها على أنها "ذات استخدام مزدوج"، وفقاً لرويترز. تم رفض أو تجاهل ثلث طلبات استيراد معدات المياه، مثل المضخات ووحدات التعقيم ووحدات التحلية. استمر نقص المياه في غزة لأكثر من ستة أشهر بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس الذي أوقف معظم القتال، حسبما ذكرت وكالة أسوشيتد برس (AP).
الاعتماد على مصادر محدودة ومُقيدة
يعتمد حوالي 80% من سكان غزة حاليًا على المياه التي يتم توصيلها بواسطة الشاحنات إلى نقاط التوزيع المركزية، وفقًا لمجموعة WASH Cluster. ويبلغ متوسط الإمداد اليومي عبر غزة 7 لترات فقط من مياه الشرب و16 لترًا من المياه للاستخدام المنزلي لكل شخص. في المقابل، تذكر إسرائيل أنها توفر المياه النظيفة عبر ثلاثة خطوط أنابيب وتسمح بمرور المياه من مصر عبر خط رابع، مما يسهم في إمداد يقدر بحوالي 70,000 متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل 30 إلى 33.3 لترًا للفرد.
تشير تقديرات الوكالات الإنسانية إلى أن الأفراد يحتاجون إلى 15 لترًا على الأقل يوميًا لأغراض التنظيف والغسيل والشرب والاستحمام. وتخدم شاحنة مياه واحدة أكثر من 50 عائلة في منطقة خان يونس، بينما تصل شاحنات المياه إلى منطقة القرارة مرة واحدة فقط في الأسبوع. نتيجة لذلك، لا يتمكن الكثير من السكان في غزة من الحصول على الحد الأدنى البالغ 6 لترات يوميًا من مياه الشرب النظيفة. وتُعد منظمة أطباء بلا حدود (MSF) ثاني أكبر مزود للمياه في غزة.
تداعيات صحية واجتماعية وخيمة
يُعرّض الأطفال الذين ينشأون في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة لسوء التغذية، وتقزم النمو، وضعف المناعة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات. وتُخلف ندرة المياه عواقب وخيمة على سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، مما يفاقم فيضانات الصرف الصحي وفشل أنظمة الصرف الصحي وانتشار العدوى. ويعيش حوالي 1.1 مليون شخص في مخيمات تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي، ويعتمدون على حفر الامتصاص التي تفيض بشكل متكرر. تحتاج غزة إلى 100 شاحنة لإفراغ خزانات الصرف الصحي، لكن لم يتبق سوى 15 شاحنة متهالكة. وقد تضاعف سعر الصابون ومستلزمات التنظيف الأخرى خلال الشهر الماضي في غزة، حيث ارتفع سعر عبوة مسحوق الغسيل بوزن 7 كجم من 50 شيكلاً إلى 100 شيكل أو أكثر. ويُحظر القانون الإنساني الدولي استخدام الموارد الأساسية، بما فيها المياه، كوسيلة للعقاب الجماعي وأداة للقتل. ويُشاهد النازحون الفلسطينيون وهم يتجمعون لجمع المياه من شاحنة في مخيم خيام مؤقت بخان يونس، جنوب قطاع غزة.
اتهامات متبادلة حول استخدام المياه كسلاح
تزامن انهيار منظومة المياه في غزة مع تدهور القطاع الصحي، وفي هذا السياق، اتهمت منظمة أطباء بلا حدود (MSF) إسرائيل باستخدام المياه كسلاح حرب و"حرمان السكان منهجياً" منها، مشيرة إلى أن إسرائيل كانت تعيق في أواخر عام 2025 دخول البنى التحتية الضرورية مثل مضخات المياه إلى غزة. وأفادت المنظمة في تقريرها بأنه "لا توجد أيضاً أنابيب كافية متاحة لإنشاء شبكات التوزيع". في المقابل، ذكرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) أنها ساعدت في ضمان وصول المياه الكافية عبر خطوط الأنابيب لأغراض الصرف الصحي ومياه الشرب والغسيل، مؤكدة أنها لم تحد من المياه المعبأة. كما صرحت إسرائيل أنها لم تعد تقيد استيراد المياه. ونفت COGAT مزاعم منظمة أطباء بلا حدود، واصفة إياها بأنها "محاولة يائسة لاستعادة الشرعية". من جانبها، أفادت قوات الدفاع الإسرائيلية بأن الجنود الذين أطلقوا النار على سائقي الشاحنات رأوا تهديداً. وقد قتلت القوات الإسرائيلية في منتصف أبريل مهندس مياه وسائقين كانا ينقلان المياه، وأصابت سائقين آخرين خلال أربعة أيام. وأسفرت ضربة على بئر الزين شمال غزة عن مقتل مهندس مياه وإصابة أربعة، مما أحدث أضراراً هيكلية لمصدر مياه حيوي.