الجزائر تتبنى الابتكار العلمي والذكاء الاصطناعي لمواجهة حرائق الغابات

عُقول جزائريّة تُحارب النّار… والذكاء الاصطناعي “يُحاصِر” مُجْرمي الحرائق
الصورة عبر Echoroukonline

تتبنى الجزائر الابتكار العلمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لمواجهة حرائق الغابات المتكررة التي تشكل خطراً دائماً على الأرواح والممتلكات والبيئة. تُعد حرائق الغابات خطراً متكرراً في الجزائر، مسببة خسائر في الأرواح وتدميراً للممتلكات وأضراراً بيئية جسيمة. تأتي هذه الخطوة في سياق سعي البلاد لاستخدام التكنولوجيا كـ "محارب" أساسي في مكافحة ما يُعرف بـ "الحروب الهجينة"، ومن ضمنها الكوارث الطبيعية كحرائق الغابات، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، لتكون الأداة الأساسية في هذه المعركة.

وتبرز أهمية هذا التوجه بالنظر إلى الخسائر البشرية والمادية التي تتسبب بها هذه الحرائق. ففي أغسطس 2026، على سبيل المثال، أدت حرائق الغابات في الجزائر إلى وفاة امرأة تبلغ من العمر 25 عاماً في ولاية جيجل. وفي نفس الفترة، فقد سمير بوطرنخ (36 عاماً) حياته ومنزله و150 رأساً من الماشية في ولاية المسيلة جراء هذه الحرائق المدمرة. هذه الحوادث المأساوية تؤكد على الحاجة الماسة لتعزيز القدرات الوقائية والاستجابية. وتعمل الجزائر حالياً على تطوير نظام وطني للوقاية من الكوارث والتنبؤ بها، مستفيدة من الابتكار العلمي لتحقيق هذه الغاية الحيوية. يهدف هذا النظام إلى توفير استجابة أكثر فعالية ومنظمة للتهديدات المتزايدة التي تشكلها حرائق الغابات، والتي تتطلب حلولاً متطورة ومستدامة.

ابتكارات جزائرية للكشف المبكر عن الحرائق

في عام 2023، طور باحثون في مركز تطوير التقنيات المتقدمة (CDTA) أول كاشف جزائري عن بعد لحرائق الغابات، والذي يمتلك القدرة على تغطية مساحات تصل إلى مئات الكيلومترات المربعة. يُعد هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو تعزيز القدرة الوطنية على رصد الحرائق والتعامل معها بفعالية. وقد تم اختبار هذا الكاشف الخاص بالحرائق في ولايتي المدية وورقلة، وهما منطقتان ذات طبيعة جغرافية متنوعة، مما يضمن فعاليته في بيئات مختلفة. ويجري العمل حالياً على نشره في مناطق أخرى من البلاد لتوسيع نطاق التغطية والاستفادة القصوى من هذه التقنية المبتكرة. ويستطيع الكاشف تحديد مواقع الحرائق على بعد يتراوح بين 10 كيلومترات و 30 كيلومتراً، وذلك باستخدام الموجات المنعكسة وأشعة الضوء، ويرسل تنبيهات فورية لتمكين التدخل المبكر والسريع قبل أن تتفاقم الأوضاع وتخرج عن السيطرة.

وفي سياق متصل، قام خالد باسطا، من بلدية القبة بالجزائر العاصمة، باختراع أول روبوت جزائري لمكافحة الحرائق أطلق عليه اسم "إيكوزوم" (Ecozoom). يمثل هذا الروبوت تطوراً نوعياً في أدوات مكافحة الحرائق، حيث يتميز بقدرته على التحكم عن بعد لمسافة تصل إلى 300 متر، مما يقلل من المخاطر التي يتعرض لها رجال الإطفاء. وهو مزود بمدفع مياه يصل مداه إلى 80 متراً، مما يتيح له التعامل مع النيران من مسافة آمنة وفعالة. وبإمكانه أن يحل محل 3 إلى 4 من ضباط الحماية المدنية في عمليات الإطفاء، مما يعزز من كفاءة الفرق ويقلل الحاجة إلى العنصر البشري في المواقع الخطرة. كما يضم "إيكوزوم" بطاريات ذات سعة كبيرة تسمح له بالعمل لمدة ست ساعات متواصلة، وهي مدة كافية للتعامل مع العديد من الحرائق، ويشتمل على كاميرا حرارية تمكنه من رصد بؤر الحرارة وتحديد مصادر النيران بدقة حتى في ظروف الرؤية المنخفضة.

تُبرز أهمية الأقمار الصناعية الجزائرية "ألسات-A3" (Alsat-A3) و "ألسات-B3" (AlsatB3) لدورها المحوري في الاستشعار عن بعد وتقديم معلومات دقيقة في الوقت الفعلي حول المناخ والحرائق وتوزيعها. هذه الأقمار الصناعية توفر بيانات حيوية يمكن استخدامها في نمذجة سلوك الحرائق والتنبؤ بانتشارها، مما يعزز من قدرة الجزائر على الاستجابة بفعالية أكبر. من جانبه، صرح الدكتور خالد حريزي، الخبير في نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، بأن امتلاك منصات رقمية وجغرافية تحتوي على مسارات الغابات متصلة بالأقمار الصناعية ومراقبة الطائرات بدون طيار كان سيمكّن من الاستجابة بشكل أفضل للحرائق. وأشار إلى أن هذه المنصات كانت ستوفر رؤية شاملة ودقيقة للمناطق المتضررة، مما يسهل اتخاذ القرارات السريعة والمستنيرة.

دور الذكاء الاصطناعي في الاستجابة للحرائق

يعكس التوجه نحو توظيف الابتكار التكنولوجي في الجزائر جهوداً أكاديمية وبحثية متزايدة، حيث قدم طلاب من جامعة البليدة 1 وجامعة بسكرة (عام 2025) وجامعة غرداية (عام 2023) مشاريع تخرج تركز على استخدام الذكاء الاصطناعي لمكافحة حرائق الغابات. هذه المشاريع الطلابية تظهر وعياً متزايداً بأهمية التكنولوجيا في مواجهة التحديات البيئية. وفي هذا الإطار، عرض محمد زكرياء حشلاف، وهو باحث شاب في علم الفلك والفضاء والفيزياء الفلكية، مساعدته خلال حرائق أغسطس/آب للمساهمة في الكشف المبكر والاستجابة الفورية باستخدام الذكاء الاصطناعي. استلهم حشلاف هذا الاقتراح من تدريبه عام 2021 مع وكالة ناسا ولقائه مع شركة ماكسار (MAXAR) الأمريكية المتخصصة في أنظمة الاستشعار الفضائي، مما منحه رؤية عميقة حول كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الفضائية. واقترح حشلاف إنشاء خلية أمنية تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية للمراقبة اللحظية للحرائق، إلى جانب تطوير طائرات مسيرة متوسطة الحجم مخصصة لمكافحة الحرائق، والتي يمكن أن تكون فعالة في الوصول إلى المناطق الوعرة والصعبة.

في سياق متصل، تتبنى المديرية العامة للغابات والمديرية العامة للحماية المدنية نهجاً استباقياً استعداداً لحملة عام 2026 لمكافحة الحرائق (التي تمتد من 1 مايو/أيار إلى 30 نوفمبر/تشرين الثاني). يعتمد هذا النهج على استخدام الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس (5G) وإنترنت الأشياء (IoT)، مما يمثل قفزة نوعية في استراتيجيات مكافحة الحرائق. وقد نشرت المديرية العامة للحماية المدنية 35 طائرة مسيرة مزودة بكاميرات حرارية عالية الدقة وأجهزة استشعار، مع خطط للحصول على 80 طائرة إضافية في المستقبل القريب، لتعزيز قدرات المراقبة والاستجابة. وتوفر شبكات الجيل الخامس (5G) اتصالات قوية ومستقرة بين الفرق الأرضية والطائرات المسيرة ومراكز القيادة، مما يساعد على تجاوز تحديات الاتصال اللاسلكي التقليدية في المناطق الوعرة التي غالباً ما تكون مسرحاً للحرائق. هذه الشبكات تضمن تدفق البيانات بسرعة ودقة، وهو أمر بالغ الأهمية في حالات الطوارئ ويسهم في تحسين التنسيق بين مختلف الجهات المعنية.

يساهم التوقع الرقمي في تحديد القرى والمناطق السكنية التي قد تكون في مسار الحرائق، مما يتيح إمكانية الإخلاء الوقائي للسكان وتجنب الخسائر البشرية. كما يساعد هذا التوقع في تحسين تخصيص الموارد الجوية والبرية، وتوجيه فرق الإطفاء إلى المواقع الأكثر حرجاً بفعالية أكبر. وتستخدم الجزائر طائرات مسيرة مزودة بكاميرات عالية الدقة وحرارية، تعمل ليلاً ونهاراً، لمراقبة الغابات واكتشاف الحرائق في مراحلها المبكرة، حتى في الظروف الجوية الصعبة أو في الظلام. وتقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحليل لقطات الطائرات المسيرة في ثوانٍ لتمييز الدخان الحقيقي عن الضباب أو الغبار، وتحديد مصادر الحرائق بدقة متناهية، مما يقلل من الإنذارات الكاذبة ويوجه جهود الإطفاء بفاعلية.

مكافحة الجناة وتعزيز الأمن السيبراني

تُعزى معظم حرائق الغابات في الجزائر إلى أفعال متعمدة أو إهمال أو قلة وعي، مما يجعل مهمة كشف الجناة صعبة في المساحات الشاسعة للغابات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم دعماً حاسماً في هذا السياق من خلال تحليل المشاهد التي تسبق اندلاع الحرائق. وتساعد هذه التقنية في تحديد الأنشطة المشبوهة، مثل توقف المركبات في مناطق معزولة أو دخول أفراد إلى الغابات قبل بدء الحريق، مما يسهم في مساعدة المحققين على تتبع الجناة وجمع الأدلة اللازمة لمحاكمتهم. هذا التحليل يعزز من قدرة السلطات على تطبيق القانون والحد من هذه الظاهرة.

كما يسهم المواطنون بدورهم في جهود مكافحة الحرائق من خلال توثيق أفعال الجناة. ويقوم بعض المواطنين بتصوير الجناة ومشاركة مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما سهّلته تقنية الجيل الخامس (5G) التي تتيح سرعات تحميل ومشاركة عالية. ويساعد هذا الإجراء قوات الأمن على إجراء اعتقالات سريعة للمتورطين، مما يعزز الرقابة المجتمعية ويدعم جهود السلطات في تطبيق القانون، ويخلق رادعاً قوياً للمتسببين في هذه الكوارث.

تحويل الابتكار الجامعي إلى حلول عملية

يرى الخبير الدولي في الرقمنة والتنمية الاقتصادية، عبد الرحمن هادف، أن الجامعات تمثل محركات أساسية للابتكار وخلق الحلول، وأنها مراكز حيوية لتوليد الأفكار الجديدة والتقنيات المتطورة. ويؤكد هادف على ضرورة توفر القدرة المؤسسية لتحويل ابتكارات الطلاب إلى واقع ملموس، وذلك لسد الفجوة بين الأوساط الأكاديمية والبيئة الاقتصادية والمؤسسية. ويرى أن هذا التحويل ضروري لضمان أن الأبحاث والابتكارات لا تبقى حبيسة المختبرات، بل تترجم إلى حلول عملية تفيد المجتمع. واقترح هادف عملية عمل عملية من خمس مراحل تشمل اكتشاف الابتكار، وتقييم إمكاناته من حيث الجدوى والتأثير، والاختبار الميداني باستخدام "المختبرات الحية" (Living Labs) التي توفر بيئة واقعية للتجريب، ثم التمويل والمشتريات العامة لدعم المشاريع الواعدة، وصولاً إلى التوسع ونشر الحلول على نطاق أوسع. ويمكن للسلطات العامة أن تلعب دوراً محورياً عبر وضع آليات واضحة لتحديد المشاريع الواعدة ودعمها خلال مراحل التجريب والتطوير، مما يضمن أن الابتكارات الجزائرية تجد طريقها إلى التطبيق العملي في مواجهة التحديات الوطنية، ومنها حرائق الغابات المدمرة. هذا الدعم الحكومي للابتكار الجامعي يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في تعزيز القدرات الوطنية لمواجهة الكوارث الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة.