الجزائر الناشئة: رواد الأعمال الشباب يقودون النمو الاقتصادي والتنويع

“الجزائر الناشئة”.. أو حين تصنع ورشات صغيرة حُلما اقتصاديا بـ400 مليار دولار
الصورة عبر Echoroukonline

تُرسم ملامح جديدة للاقتصاد الجزائري من خلال مبادرة "الجزائر الناشئة"، حيث تسهم ورش العمل الصغيرة والمتوسطة في تحقيق حلم اقتصادي طموح بقيمة 400 مليار دولار. تتناول هذه التطورات جهود رواد الأعمال الشباب الذين يقودون النمو والتنويع الاقتصادي في البلاد، مساهمين بفعالية في بناء اقتصاد وطني أقل اعتماداً على المحروقات. هذه الرؤية الاقتصادية الطموحة تستهدف بلوغ ناتج محلي إجمالي يقارب 400 مليار دولار بحلول عام 2027، وتعتبر الشركات الناشئة والمبتكرة ركيزة أساسية لتحقيقها، حيث تنسجم هذه المبادرة مع الرؤية الاقتصادية للدولة التي تهدف إلى دعم الإنتاج الوطني وبناء اقتصاد أقل اعتماداً على المحروقات، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً نحو تحقيق التنمية المستدامة.

وتشارك بعض الشركات الجزائرية الصغيرة الآن بفاعلية في تصنيع قطع الغيار والمكونات الحيوية لسلاسل الإنتاج العالمية، مع شركات كبرى ذات صيت عالمي مثل إيرباص (Airbus) وفولكس فاجن (Volkswagen) وزارا (Zara) وسكيتشرز (Skechers). هذا الاندماج المتزايد في سلاسل التوريد الدولية لا يعكس فقط القدرة المتنامية للقطاع الصناعي الجزائري على تلبية المعايير العالمية الصارمة، بل يؤكد أيضاً على جودة الإنتاج المحلي وقدرته التنافسية. وتنتج الشركات الجزائرية الصغيرة حالياً مجموعة واسعة من المكونات الصناعية، بما في ذلك البطاريات، والمصابيح الأمامية، والمصدات (bumpers)، والكابلات الكهربائية، وفلاتر المحركات، والمكونات البلاستيكية والمطاطية، التي تُستخدم في خطوط التجميع المختلفة للشركات العالمية الكبرى، مما يبرهن على تنوع وقدرة الإنتاج المحلي على تلبية متطلبات الصناعات المتعددة.

ينتمي العديد من هؤلاء رواد الأعمال الشباب الطموحين إلى جيل "زيد" (Generation Z) ويقل عمرهم عن ثلاثين عاماً، مما يسلط الضوء على الدور المحوري والحيوي للشباب في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والابتكار في الجزائر. إن طاقتهم ورؤاهم الجديدة تشكل قوة دافعة للتغيير والتقدم.

قصص نجاح في الصناعات الدقيقة

في قلب هذه الثورة الصناعية، تبرز قصص نجاح ملهمة لشركات جزائرية صغيرة تمكنت من حجز مكان لها في الأسواق العالمية. تُصنّع شركة "سوميمي" (SOMIMI)، ومقرها في طاهير بولاية جيجل، قطعاً ميكانيكية دقيقة ضمن سلسلة توريد شركة إيرباص (Airbus) العالمية الرائدة في صناعة الطيران. تأسست "سوميمي" في عام 1990 تحت اسم "الشركة المغاربية للميكانيك الدقيق والصيانة الصناعية"، ومنذ ذلك الحين، رسخت مكانتها كلاعب أساسي في القطاع.

وقد كان عادل بن ساسي، الذي كان في العشرينات من عمره آنذاك، صاحب رؤية استراتيجية عندما وجه استثمارات الشركة نحو الصناعات الدقيقة والمعدات عالية التقنية بعد عام 2004، مدركاً أهمية التخصص والابتكار. وفي عام 2009، توجت هذه الجهود بتوقيع "سوميمي" عقداً مهماً لتوريد منتجاتها لمورد رئيسي لشركة إيرباص، مما يعد إنجازاً كبيراً لشركة جزائرية في قطاع شديد التنافسية.

تُظهر هذه النجاحات قدرة الشركات الجزائرية الصغيرة على إنتاج مجموعة واسعة من المكونات الصناعية. حيث تنتج الشركات الجزائرية الصغيرة حالياً البطاريات، المصابيح الأمامية، المصدات (bumpers)، الكابلات الكهربائية، فلاتر المحركات، والمكونات البلاستيكية والمطاطية لخطوط التجميع المختلفة، مما يدل على تنوع وقدرة الإنتاج المحلي.

وفي تلمسان، بدأ نغاه عبد الرحمن، مدير شركة "سودايا" للحام والحديد وصناعة المركبات، شركته قبل ثماني سنوات. وقد تمكنت شركته من ترسيخ اسمها في مجال اللحام وتصنيع مكونات المركبات، مما يعكس روح المبادرة والاجتهاد في الأقاليم الجزائرية.

وفي مثال آخر على الطموح الشبابي، أسس عبدالنور إسماعيل مصنعه لخزانات "سيرغاز" (Sirgaz) في باتنة وهو في الثامنة والعشرين من عمره، ليصبح بذلك أحد الأصوات الشابة الواعدة في الصناعة الجزائرية. يستعد مصنعه للوصول إلى طاقة إنتاجية كبيرة تبلغ 92 ألف خزان سنوياً، مما يجعله مساهماً رئيسياً في تلبية الطلب المحلي. ولا يتوقف طموح إسماعيل عند هذا الحد، إذ يجري حالياً مفاوضات متقدمة مع شريك صيني لإنشاء مصنع متخصص في إنتاج السيارات الكهربائية الصغيرة، مما يفتح آفاقاً جديدة للابتكار والتكنولوجيا في الجزائر.

تكامل مع سلاسل القيمة العالمية

يمتد تأثير الشركات الجزائرية الصغيرة والمتوسطة ليشمل التعاون مع علامات تجارية عالمية مرموقة، مما يعزز من مكانة الجزائر كشريك موثوق في سلاسل القيمة العالمية. تعمل شركة زارا (Zara) العالمية على إنتاج الملابس في الجزائر بالتعاون مع مصنع تايل (Tayal) للنسيج وعدد من ورش العمل الجزائرية الصغيرة، وتُصدّر هذه المنتجات عالية الجودة إلى 96 دولة حول العالم، مما يبرز الكفاءة الإنتاجية الجزائرية. يبلغ حجم الإنتاج السنوي لزارا في الجزائر ما يقرب من 700 ألف متر من القماش، وهو ما يمثل مساهمة كبيرة في قطاع النسيج والصناعات التحويلية.

وفي سياق متصل، تستعد شركة سكيتشرز (Skechers) العالمية لتوطين جزء من نشاطها الإنتاجي في الجزائر بالتعاون مع شركة تراديفوت (Tradifoot) وورش عمل صغيرة محلية، مما سيوفر فرص عمل ويعزز الخبرات المحلية في صناعة الأحذية. وقد عملت الشركات الجزائرية الصغيرة بفعالية مع علامات تجارية عالمية كبرى مثل فولكس فاجن (Volkswagen) وجيلي (Geely) وستيلانتيس (Stellantis)، مما يدل على قدرتها على التكيف مع متطلبات الإنتاج العالمية.

تعتمد الشركات العامة الكبرى في الجزائر، مثل سوناطراك وسونلغاز وكوسيدر وسيدال، بشكل متزايد على المتعاقدين المحليين في تنفيذ مشاريعها وتلبية احتياجاتها التشغيلية. وينطبق الأمر نفسه على المشغلين الدوليين الكبار العاملين في الجزائر، مثل ستيلانتس وجيلي وفولفو تراكس (Volvo Trucks)، الذين يجدون في الشركات الجزائرية الصغيرة والمتوسطة شركاء قادرين على تقديم خدمات ومنتجات ذات جودة عالية. هذا التوجه نحو الاعتماد على الموردين المحليين يعزز من النسيج الصناعي الوطني ويدعم الاقتصاد المحلي بشكل كبير. وتُظهر بورصة المناولة لغرب الجزائر (Bourse de la Sous-traitance de l'Ouest Algérien) هذا التوجه بوضوح، حيث تضم وحدها أكثر من 2500 متعامل في مجال المناولة، وغالبيتهم العظمى من المؤسسات الصغيرة، مما يؤكد على الحيوية الكبيرة لهذا القطاع وقدرته على توفير فرص عمل ودعم سلاسل القيمة المحلية والدولية.

ريادة الأعمال الرقمية والخدمات المبتكرة

تتجه الجزائر نحو تعزيز الإنتاج الوطني وبناء اقتصاد أقل اعتماداً على المحروقات، ضمن رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى تحقيق ناتج محلي إجمالي يقارب 400 مليار دولار بحلول عام 2027. ينسجم هذا التوجه مع الجهود الحكومية المتواصلة لدعم الشركات الناشئة والمبتكرة كركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي المستدام. وتبرز ريادة الأعمال الرقمية كعنصر فعال وحيوي في هذه الاستراتيجية الشاملة، حيث تسهم الشركات الناشئة في تطوير حلول تكنولوجية مبتكرة تلبي احتياجات السوق المحلية والإقليمية على حد سواء.

وفي هذا الإطار، أسست سارة قاسي شركة "لبلابي" (Lablabi) الناشئة في عام 2021، التي تركز على تطوير منصات تدريب متخصصة في مجالات تكنولوجيا الاتصالات والذكاء الاصطناعي. تعكس هذه المبادرة الرائدة التوجه نحو بناء قدرات رقمية محلية متقدمة وتوفير حلول تدريب متخصصة في قطاعات حيوية ومستقبلية. وتهدف الشركة إلى سد الفجوة في المهارات التكنولوجية وتقديم برامج تعليمية مبتكرة تواكب أحدث التطورات العالمية، مما يسهم في تأهيل الكفاءات الجزائرية لسوق العمل الرقمي.

تقدم "لبلابي" خدماتها المتطورة لعملاء رئيسيين في قطاع الاتصالات، بما في ذلك "أوريدو" (Ooredoo) القطرية، و"أورانج" (Orange) العالمية، و"اتصالات الجزائر" (Algérie Télécom) الوطنية. ويشير هذا التعاون مع شركات كبرى ذات ثقل إقليمي ودولي إلى مدى الثقة المتزايدة في قدرة الشركات الناشئة الجزائرية على تقديم خدمات عالية الجودة ومبتكرة، مما يعزز مكانتها في السوق التنافسية. وتؤكد هذه الشراكات الاستراتيجية على الإمكانات الكبيرة للشركات الناشئة في المساهمة الفعالة في الاقتصاد الرقمي للبلاد، وفتح آفاق جديدة للنمو والتطور.

دعم الإنتاج الوطني ورؤية المستقبل

تمتلك الجزائر حالياً أكثر من مليون مؤسسة صغيرة ومتوسطة، مما يشكل قاعدة صناعية واقتصادية واسعة ومتنوعة. وتضم بورصة المناولة لغرب الجزائر وحدها أكثر من 2500 متعامل في مجال المناولة، غالبيتهم العظمى من المؤسسات الصغيرة، مما يعكس حيوية هذا القطاع وقدرته على توفير فرص العمل.

شهد عدد الشركات المصدرة في الجزائر ارتفاعاً ملحوظاً من حوالي 1300 إلى أكثر من 2000 شركة خلال أربع سنوات فقط، مما يدل على تزايد التوجه نحو الأسواق الخارجية. من بين هذه الشركات، تشكل حوالي 1850 شركة صغيرة ومتوسطة، مع حوالي 1700 منشأة صغيرة تصدر بنشاط، خاصة التمور والمنتجات الزراعية، مما يبرز دور هذه الشركات في تعزيز الصادرات غير النفطية. وتساهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بحوالي 90% من صادرات الصناعة الغذائية، وهو رقم يؤكد أهميتها الاستراتيجية.

وفي سياق تطوير البنية التحتية لدعم هذه الرؤية الاقتصادية، تم تدشين مشروع السكة الحديدية الصناعي الرابط بين بشار وتندوف، المرتبط بمنجم غار جبيلات، في أوائل فبراير 2026. وقد وصلت أول شحنة من حديد غار جبيلات إلى مصنع توسيالي (Tosyali) للصلب في وهران بتاريخ 2 فبراير 2026، بعد 24 ساعة فقط من مغادرتها، مما يمثل إنجازاً لوجستياً مهماً. من المتوقع أن يكتمل مشروع غار جبيلات الطموح على مرحلتين رئيسيتين: الأولى من 2024 إلى 2032، والثانية من 2033 إلى 2040، مما يضمن تدفقاً مستقراً للموارد الخام الحيوية للصناعة الجزائرية. هذا المشروع الطموح لا يقتصر على توفير المواد الخام للصناعة المحلية فحسب، بل يعزز أيضاً الربط اللوجستي بين المناطق الداخلية والمراكز الصناعية الكبرى، مما يقلل من تكاليف النقل ويزيد من كفاءة سلاسل الإمداد، ويساهم في تحقيق التكامل الاقتصادي الوطني.

تؤكد هذه الجهود المتضافرة، من رواد الأعمال الشباب إلى المشاريع البنيوية الكبرى، التزام الجزائر ببناء اقتصاد متنوع ومستدام، قادر على المنافسة عالمياً وتحقيق الازدهار لأجيالها القادمة.