الجدل حول مقترح الاعتراف بالفرنسية لغة وطنية ورسمية في الجزائر

“الفرنسية لغة وطنية ورسمية في الجزائر”: ذاك مطلبهم الآن!
الصورة عبر Echoroukonline

نشرت مجلة "ماريان" الفرنسية الأسبوعية مقالاً، للكاتب عمار إنقراشن، مدير دار فرانز فانون للنشر في بومرداس، يقترح فيه الاعتراف باللغة الفرنسية كلغة وطنية ورسمية في الجزائر. هذا المقترح أثار جدلاً واسعاً حول الهوية اللغوية للبلاد، وأعاد إلى الواجهة النقاشات المتعلقة بمستقبل اللغات في الجزائر ودورها في تشكيل الهوية الوطنية.

ويشير المقال إلى أن رفض هيمنة اللغة العربية كشرط للانفتاح والحداثة يتردد صداه مع منطق استعماري. هذا الطرح يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء مثل هذه المقترحات، وما إذا كانت تخدم أجندات معينة أو تعكس رؤى حقيقية للتطور الوطني.

خلفية المقترح ومصدره

كان عمار إنقراشن قد كتب مقالاً سابقاً في مجلة "ماريان" الفرنسية في مايو 2025، حمل عنوان "تعليم اللغة الفرنسية: الجزائر تصفّي حساباتها مع فرنسا، وتُضحّي بلغة 'المُستعمر'". هذا المقال السابق كان قد مهد لبعض الأفكار التي طرحها في مقترحه الأخير، مما يشير إلى اهتمام متواصل من الكاتب بقضايا اللغة الفرنسية في الجزائر. ويحمل إنقراشن درجة الدكتوراه في الأدب والحضارة الفرنسية من جامعة السوربون، وقد حصل عليها قبل عامين من نشر المقال، مما يمنحه خلفية أكاديمية متخصصة في هذا المجال. من جانب آخر، تأسست دار فرانز فانون للنشر، التي يديرها إنقراشن، قبل 12 عاماً، وقد واجهت عقوبة قانونية في عام 2025 أدت إلى إغلاقها لمدة ستة أشهر. هذه العقوبة أثارت تساؤلات حول طبيعة عمل الدار والظروف التي أدت إلى هذا الإجراء القانوني.

وخلال أحداث غزة، قامت دار فرانز فانون للنشر بالترويج لكتاب بعنوان "الجزائر اليهودية"، والذي قدم له أستاذ فرنسي إسرائيلي من أصول جزائرية. هذا الترويج أثار بدوره نقاشات حول التوجهات الثقافية للدار ومحتوى منشوراتها. كما رشحت جمعية الناشرين الدولية مدير دار فرانز فانون للنشر كأحد المرشحين الستة النهائيين لجائزة فولتير لعام 2025، وهي جائزة تُمنح تقديراً للشجاعة الاستثنائية في الدفاع عن حرية النشر. هذا الترشيح يسلط الضوء على الدور الذي يلعبه إنقراشن في مجال النشر وحرية التعبير، على الرغم من الجدل الذي يثيره.

نقد منطق الاستعمار في الهوية اللغوية

ينتقد الكاتب، في مقاله، فكرة أن جعل اللغة الفرنسية لغة رسمية قد يحل مشاكل الجزائر المتعلقة بالتعليم أو العلوم أو الاقتصاد أو البطالة. ويشير إلى أن هذه المقترحات تتجاهل الجذور العميقة لهذه التحديات، وتقدم حلاً لغوياً لمشكلات هيكلية تتطلب إصلاحات شاملة. ويرى الكاتب أن هذه المقاربة لا تعالج الأسباب الجذرية للمشاكل، بل تحاول تغطيتها بحلول سطحية لا تلامس جوهر الأزمة، وهي رؤية تنتقد النظرة التبسيطية للقضايا الوطنية. كما يشدد على أن التركيز على الجانب اللغوي فقط يُبعد النقاش عن الإصلاحات الحقيقية التي تحتاجها البلاد في مختلف القطاعات الحيوية، مثل تطوير البنية التحتية التعليمية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير فرص عمل مستدامة.

ويذكر الكاتب أن اللغة الفرنسية جزء من تاريخ الجزائر الحديث، لكنه يجادل بأن التاريخ لا يشكل مجمل الهوية الدستورية للبلاد. ويقدم الكاتب الاستعمار نفسه كمثال على أن الحضور التاريخي لا يبرر بالضرورة التكريس الدستوري للغة المستعمر. ويؤكد أن الهوية الدستورية يجب أن تنبع من خيارات وطنية وسيادية تعكس تطلعات الشعب، لا من مخلفات حقبة تاريخية، مشدداً على أهمية الإرادة الوطنية في تحديد المسار المستقبلي. ويضيف أن تبني لغة أجنبية كلغة رسمية يتطلب نقاشاً وطنياً واسعاً لا يقتصر على الجانب التاريخي فحسب، بل يشمل التطلعات المستقبلية للبلاد، والتأثيرات المحتملة على النسيج الثقافي والاجتماعي.

الخيار الدستوري والتطلعات المستقبلية

تؤكد الجزائر، وفقاً لمصادر متابعة للجدل، أنها اختارت توازنها اللغوي دستورياً، وأن الدعوة المطروحة تتجه نحو تطوير تدريس جميع اللغات. هذا التوازن الدستوري يمثل إطاراً مرجعياً لأي نقاش حول الوضع اللغوي في البلاد. ويشمل هذا التطوير، بحسب هذه المصادر، البدء باللغة العربية، مع الانفتاح على اللغة الإنجليزية ولغات أخرى، مما يعكس استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز اللغات الأم مع الاستفادة من التنوع اللغوي العالمي. ويشير مراقبون إلى أن هذا التوجه يعكس رؤية وطنية تهدف إلى تعزيز اللغات الوطنية مع الاستفادة من اللغات الأجنبية كأدوات للتواصل العلمي والمعرفي، وليس كبديل للهوية اللغوية الأساسية. ويُفهم من هذا الموقف أن أي مقترح لتغيير الوضع الدستوري للغات يجب أن يراعي هذا التوازن القائم والتطلعات المستقبلية للبلاد، وألا يتعارض مع السيادة اللغوية والثقافية. ويُشدد على أن النقاش حول الهوية اللغوية يجب أن يرتكز على المصالح الوطنية العليا، ويأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي واللغوي للجزائر، والذي يعتبر ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها وتنميتها.