في 25 يوليو 1961، وقّع ديغول مرسوماً يتعلق "بتعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية العامة للأقسام الفرنسية في الجزائر". نصت المادة الثانية من المرسوم على أن "يكون هذا التعليم إلزامياً للتلاميذ دون تمييز، في جميع المدارس المزودة بالهيئة التدريسية اللازمة. ويحدد قرار من المندوب العام في الجزائر سنوياً قائمة هذه المدارس". أما المادة الرابعة من المرسوم فنصت على أن "اللغة التي تُدرّس هي العربية الفصحى أو العربية العامية، مع حرية اختيار التلاميذ لأي من هذين التعليمين". جاء هذا المرسوم قبل توقيع اتفاقيات إيفيان في مارس 1962، مما يضفي عليه أهمية خاصة كخطوة استباقية في فترة حساسة من تاريخ الجزائر.
مرسوم ديغول: خطوة نحو تعزيز العربية
نصت المادة الأولى من مرسوم ديغول، الذي صدر في 25 يوليو 1961، على تنظيم تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية العامة التابعة للأقسام الفرنسية في الجزائر، وذلك وفقاً للأحكام الواردة في المواد اللاحقة من المرسوم. هذا البند التأسيسي حدد الإطار العام لتطبيق سياسة تعليمية جديدة، معلناً عن توجه يهدف إلى إدماج اللغة العربية بشكل منهجي في نظام تعليمي كان يهيمن عليه الفرنسية. جاء هذا الإجراء في سياق يسبق استقلال الجزائر، ويعكس توجهاً نحو إدراج اللغة العربية في النظام التعليمي الفرنسي بالمنطقة، ربما كمحاولة لاستيعاب مطالب السكان المحليين أو كإعداد لمرحلة ما بعد الاستقلال.
كشف المرسوم عن خطة تدريجية لتعزيز تعليم اللغة العربية من خلال إنشاء وظائف للمعلمين. ووفقاً للمادة الثالثة، خُصص 120 وظيفة لمعلمي اللغة العربية للعام الدراسي 1961-1962، مما يمثل بداية متواضعة لكنها ذات مغزى لتعزيز الكادر التعليمي. ثم زادت هذه الوظائف إلى 150 وظيفة للعام 1962-1963، مما يشير إلى التزام مبدئي بتوسيع نطاق التعليم. وارتفع العدد بشكل ملحوظ إلى 200 وظيفة للعام 1963-1964، مما يعكس تصاعداً في وتيرة الاهتمام بتعريب التعليم. واستمرت الخطة بزيادة الوظائف لتصل إلى 300 وظيفة للعام الدراسي 1964-1965، ثم 400 وظيفة للعام 1965-1966. هذه الزيادة المطردة في عدد الوظائف المخصصة لتدريس اللغة العربية ضمن المدارس الفرنسية تبرز نية واضحة لتأصيل اللغة العربية في المنظومة التعليمية، وتوفير الموارد البشرية اللازمة لتحقيق هذا الهدف على مدى خمسة أعوام دراسية متتالية.
إضافة إلى ذلك، نصت المادة الخامسة من المرسوم على إضافة اختبار في اللغة العربية الفصحى أو العربية العامية إلى امتحان شهادة التعليم الابتدائي في الأقسام الفرنسية بالجزائر. هذا التعديل أضفى بعداً رسمياً لتعليم اللغة العربية وجعلها جزءاً معترفاً به من المنهج الدراسي والتقييم الأكاديمي في تلك المدارس. لم يعد تعليم العربية مجرد نشاط اختياري أو ثانوي، بل أصبح مادة أساسية يُقيّم فيها التلاميذ، مما يرفع من مكانتها ويحث على الاهتمام بها. كانت هذه الخطوات مجتمعة تشكل تحولاً مهماً في السياسة التعليمية الفرنسية تجاه اللغة العربية في الجزائر، في فترة كانت فيها البلاد على أعتاب استقلالها.
روايات متضاربة حول مستقبل الفرنسية
في سياق الجدل الدائر حول مكانة اللغة الفرنسية في الجزائر، تتعدد الروايات وتتباين وجهات النظر حول مستقبلها ودورها في المشهد الثقافي والتعليمي. عبّر أستاذ علم الاجتماع المتخصص في الأنثروبولوجيا، رابح صبا، عن آرائه في مقابلة نشرتها مجلة "ماريان" (Marianne) الفرنسية بتاريخ 28 سبتمبر 2023. هذه التصريحات، وإن لم يتم الكشف عن تفاصيلها، إلا أنها تأتي في وقت يشهد فيه النقاش حول اللغة الفرنسية في الجزائر زخماً متزايداً، مما يشير إلى أهمية رؤية صبا في هذا السياق المعقد.
في سياق متصل، نشر الكاتب كمال داود مقالاً افتتاحياً في المجلة الفرنسية "لوبوان" (Le Point) تحت عنوان "اللغة الفرنسية خالدة لأن...". وقد أثار هذا المقال نقاشات واسعة حول دور اللغة الفرنسية وتأثيرها الثقافي في الجزائر، حيث يرى داود أن اللغة الفرنسية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والفكرية لشريحة واسعة من الجزائريين، وأنها تتمتع بمرونة وقدرة على التكيف تجعلها عصية على الزوال. طرح داود في مقاله رؤية مفادها أن اللغة الفرنسية قد تجاوزت كونها لغة المستعمر لتصبح جزءاً من النسيج الثقافي الجزائري، وأن محاولات إقصائها قد تكون عبثية أمام رسوخها التاريخي والفني.
كما نشرت مجلة "لوبوان" مقالاً آخر بتاريخ 25 يوليو 2026، حمل عنوان "شكسبير في مواجهة موليير في الجزائر". تناول المقال المقارنة بين تأثير اللغتين الإنجليزية والفرنسية في المشهد الثقافي والتعليمي الجزائري، مما يعكس تحولاً محتملاً في الاهتمامات اللغوية نحو الإنجليزية كلغة عالمية، وتحدياً لمكانة الفرنسية التقليدية. يشير هذا العنوان بحد ذاته إلى صراع ثقافي ولغوي محتمل، حيث قد تتنافس اللغتان على النفوذ في مجالات التعليم والأعمال والثقافة، مما يضيف بعداً جديداً للجدل القائم حول مستقبل الفرنسية في البلاد.
وفي تطور يعكس تصاعد الجدل، نشرت مجلة "ماريان" مقالاً بتاريخ 17 أغسطس 2025 بعنوان "ليست اللغة هي المستهدفة، بل الذاكرة التي يتم محوها: في الجزائر، يتم القضاء على اللغة الفرنسية". يرى هذا المقال أن الإجراءات المتخذة تجاه اللغة الفرنسية لا تهدف فقط إلى تغيير لغوي أو إعادة ترتيب أولويات تعليمية، بل إلى طمس جزء من الذاكرة الجماعية للبلاد وتاريخها المشترك مع فرنسا. هذا الطرح يرفع النقاش من مجرد قضية لغوية إلى قضية هوية وذاكرة وطنية، مما يجعلها أكثر تعقيداً وحساسية. فالمقال يشير إلى أن اللغة الفرنسية ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي وعاء يحمل جزءاً من تاريخ الجزائر وتجارب أجيال متعاقبة، وأن محاولة إزالتها قد تعني محو جزء من هذه الذاكرة.
تحديات استبدال النخبة اللغوية
يُعد أحمد تيسة، الذي يتمتع بخبرة طويلة في مجال التعليم، من أبرز الشخصيات الجزائرية التي عبّرت عن معارضتها لمشروع وزارة التربية الرامية إلى تقليص مكانة اللغة الفرنسية في المدارس الجزائرية. وقد أشار مراقبون إلى أن تيسة يُعتبر واحداً من القلائل الذين تجرأوا على التعبير عن هذا الموقف علناً في سياق الجدل الدائر حول مستقبل اللغة الفرنسية في البلاد. موقفه هذا يكتسب أهمية خاصة نظراً لخبرته الواسعة في الميدان التربوي، مما يمنح آراءه وزناً وثقلاً في النقاش العام.
وتأتي هذه المعارضة في وقت تشهد فيه الساحة التعليمية والثقافية الجزائرية نقاشات حادة حول السياسات اللغوية المتبعة، وتأثيرها على النخبة الفكرية والأكاديمية. وقد ركزت آراء تيسة على التحديات المحتملة التي قد تواجه النظام التعليمي والمجتمع الجزائري جراء أي تغييرات جذرية في مكانة اللغة الفرنسية، خاصة بالنظر إلى تاريخها الطويل في الجزائر وتأثيرها على قطاعات واسعة من الحياة العامة والأكاديمية. يرى تيسة أن أي تسرع في تقليص دور الفرنسية قد يؤدي إلى فراغ ثقافي ومعرفي يصعب سده، ويؤثر سلباً على جودة التعليم ومخرجاته.
ويُسلط موقف تيسة الضوء على مدى تعقيد ملف اللغة الفرنسية في الجزائر، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد قرار إداري، بل يمس جوانب ثقافية وتاريخية واجتماعية عميقة. وتُشير خلفيته التعليمية الطويلة إلى أن رؤيته تستند إلى فهم معمق للتحديات التي يمكن أن تنشأ عن إعادة هيكلة المنظومة اللغوية في المدارس، وتأثير ذلك على جودة التعليم ومستقبل الأجيال الصاعدة. فهو يدرك أن اللغة ليست مجرد أداة، بل هي حاملة للمعرفة والقيم، وأي تغيير فيها يجب أن يتم بعناية فائقة وتخطيط دقيق.
كما تُبرز ملاحظات تيسة أهمية الحفاظ على التوازن في السياسات اللغوية، بما يضمن تعزيز اللغة العربية كلغة وطنية ورسمية، دون إهمال لغات أجنبية أخرى قد تُسهم في الانفتاح المعرفي والثقافي. ويعكس موقفه قلقاً من أن يؤدي أي تقليص لمكانة الفرنسية إلى إحداث فجوة في الوصول إلى مصادر المعرفة والتواصل الدولي، خاصة في المجالات العلمية والتقنية التي طالما ارتبطت باللغة الفرنسية في الجزائر. فالمشروع المقترح، في رأيه، قد يؤثر على قدرة الطلاب والباحثين الجزائريين على مواكبة التطورات العالمية، ويحد من فرصهم في التفاعل مع المجتمع العلمي الدولي. هذه المخاوف تعكس رؤية شاملة لمستقبل التعليم في الجزائر، وتؤكد على ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة تراعي الأبعاد الوطنية والدولية للغة.