يتفشى ما يُعرف بـ "الزبائنية الجديدة" في الجزائر، ممتدة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. وتبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في مناطق "الجزائر العميقة"، حيث تتلاقى الحاجة الملحة مع العزلة الجغرافية والاجتماعية لتشكل بيئة خصبة لتغلغل هذه الممارسات. إنها ظاهرة لا تقتصر على منطقة دون أخرى، بل تنسج خيوطها عبر النسيج الوطني بأكمله، مؤشرة على تحولات عميقة في العلاقة بين المواطن والدولة.
تختبئ هذه الظاهرة خلف كل موسم انتخابي، محوّلةً لحظات الوحدة الوطنية المفترضة إلى فترات من التشرذم والانقسام المجتمعي. فبدلاً من أن تكون الانتخابات محطة لتعزيز اللحمة الوطنية واختيار الممثلين الديمقراطيين، تتحول إلى ساحة لتغذية الولاءات الضيقة وتقسيم الصفوف. وتتجاوز تداعيات الزبائنية الجديدة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، لتضرب في عمق مفاهيم الوطنية والمواطنة ذاتها، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل تماسك النسيج الاجتماعي والسياسي في البلاد، ويضع تحديات كبرى أمام مسار التنمية والاستقرار.
تفكيك النسيج الاجتماعي عبر الولاءات
تُحوّل هذه الظاهرة القبلية إلى سلعة، والجهوية إلى متجر، والروابط العائلية إلى سلسلة، وفقاً لتحليلات متابعين للشأن الجزائري. هذا التحول يعكس استغلالاً ممنهجاً للولاءات التقليدية وتحويلها إلى أدوات للمساومة والنفوذ. ويُشار إلى أن وسطاء الزبائنية الجديدة ليسوا سياسيين تقليديين أو زعماء قبليين بالمعنى المتعارف عليه، بل هم تجار ولاءات محترفون. هؤلاء الوسطاء يبيعون الخوف خلال مواسم الانتخابات، مستغلين حالة عدم اليقين والمخاوف من المستقبل لضمان الولاءات والتصويت، ويبيعون الحاجة خارجها، مستغلين بذلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تدفع المواطنين للبحث عن أي سبيل للحصول على الخدمات الأساسية أو المساعدات.
يُلاحظ أنهم يحوّلون البلدية إلى إقطاعية خاصة بهم، حيث تتمركز السلطة والقرار في أيديهم، ويتحول المواطن إلى مجرد زبون يطلب الخدمات ويُقدم الولاء في المقابل، فيما يتحول الصوت الانتخابي إلى فاتورة تُدفع مقابل هذه الخدمات أو الوعود. تتجلى هذه الظاهرة بشكل واضح في عدة مجالات حيوية، منها التوظيف، حيث تُمنح الوظائف بناءً على الولاءات بدلاً من الكفاءة، وتوزيع السكن، الذي يصبح أداة للمكافأة السياسية، إضافة إلى توزيع القروض الفلاحية والمساعدات الاجتماعية، التي تُوجه لمن يخدم مصالح هؤلاء الوسطاء. هذا التغلغل في مفاصل الحياة اليومية للمواطنين يؤثر بشكل مباشر على مبادئ العدالة والإنصاف، ويقوض فرص التنمية المتوازنة. تُعزز هذه الممارسات الانقسام المجتمعي وتُضعف الثقة في المؤسسات الحكومية، مما يُهدد بالتالي أسس الوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعي.
الانتخابات: من توحيد الأمة إلى تجزئة المواطنين
بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2021 ستة وثلاثين بالمئة فقط، وهي نسبة تعكس تراجعاً كبيراً ومقلقاً في الإقبال على هذا الاستحقاق الديمقراطي. وقد شهدت تلك الانتخابات ذاتها انسحاب آلاف المرشحين تحت ضغوط محلية هائلة في مناطق مختلفة من البلاد، مما يشير إلى مدى تأثير هذه الشبكات الزبائنية على العملية الانتخابية برمتها. هذه الضغوط المحلية، التي غالباً ما تكون غير مرئية للعين المجردة، تعيق المنافسة الشريفة وتحد من حرية الاختيار.
وفي الوقت الذي تُعد فيه الانتخابات في الديمقراطيات الحديثة لحظة توحد وطني يختار فيها المواطنون ممثليهم بحرية ومسؤولية، فإن ما يحدث في "الجزائر العميقة" منذ سنوات عديدة ينفي هذا المبدأ الأساسي للانتخابات كفترة لتوحيد الصفوف وتعزيز المشاركة المدنية. بدلاً من ذلك، تحولت الانتخابات إلى أداة لتعميق الانقسامات.
وتشير التقارير إلى أن الانتخابات في هذه المناطق تحولت إلى مناسبة لفرز الناس إلى فئات "معنا" و "ليس معنا"، وتقسيم الأحياء إلى موالين ومعارضين، والقرى إلى زبائن و منسيين. هذه الديناميكية الانتخابية تُفضي إلى تجزئة المجتمع بدل توحيده، حيث تُصبح الهويات الفرعية أكثر أهمية من الهوية الوطنية الجامعة. وعندما تخضع مئات البلديات لهذه المنطق الضيق والمصلحي، فإن الجزائر تُعيد تشكيل نفسها إلى خريطة من إقطاعيات صغيرة ومتجاورة لا تتواصل فيما بينها بشكل فعال ولا تعمل ضمن رؤية وطنية موحدة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي ويعيق أي جهود للتنمية الشاملة والمتوازنة.
جذور الظاهرة: استعمار قديم واستعمار جديد
لفهم عمق هذه الظاهرة، لا بد من العودة إلى جذور تاريخية. عملت الحقبة الاستعمارية الفرنسية على منطق بسيط وفعال في تفتيت المجتمع المستعمَر، يقوم على تجزئة المستعمَرين إلى وحدات صغيرة قابلة للتحكم، وتشجيع القبلية مقابل الوطنية، والجهوية مقابل الهوية الجزائرية الجامعة. هذا التكتيك الاستعماري كان يهدف إلى منع أي تكتل وطني يمكن أن يهدد وجودها. وقد انطلقت ثورة نوفمبر 1954 باسم الجزائر، وكل الجزائر، وهو ما عكس الرغبة العارمة في توحيد الصفوف وتجاوز الانقسامات التي زرعها الاستعمار. سقط مليون ونصف المليون شهيد تحت راية واحدة خلال هذه الثورة المجيدة، مما يبرز حجم التضحية والوحدة والتلاحم الذي كان سائداً في تلك الفترة التاريخية الحاسمة، والذي مثل رداً قوياً على منطق التجزئة الاستعماري.
أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي (Malek Bennabi) إلى هذا المرض الاجتماعي والسياسي بالقول إنه "القابلية للاستعمار"، وهي حالة داخلية تجعل المجتمع عرضة للاستغلال والسيطرة بسبب ضعفه الداخلي وانقساماته. كما ميّز ابن خلدون (Ibn Khaldun) في نظريته عن العصبية بين "عصبية" مؤسِّسة تُبنى عليها الدول والمجتمعات، وأخرى مُفكِّكة تُؤدي إلى انهيارها. في هذا السياق، كانت العصبية التي أنتجت ثورة نوفمبر مؤسِّسة، لأنها جمعت الجزائريين حول هدف مشترك وهو التحرر والاستقلال. بينما العصبية التي ينشرها نظام الزبائنية الجديد هي عصبية مُفكِّكة، لأنها تُعلي من شأن المصالح الضيقة والولاءات القبلية والجهوية على حساب المصلحة الوطنية العليا. حذر المفكر المارتيني فرانس فانون (Frantz Fanon) في أعماله من أن النخب الوطنية قد تعيد إنتاج المنطق الاستعماري ضد شعوبها بعد الاستقلال، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الظواهر الحالية ومدى تطابقها مع هذه التحذيرات التاريخية.
مواجهة التحدي: الوعي والمسؤولية الوطنية
تتجلى مأساة الزبائنية الجديدة بشكل أوضح في مناطق "الجزائر العميقة"، حيث الخدمات شحيحة والمسافات طويلة، مما يزيد من اعتماد المواطنين على شبكات الوساطة المحلية للحصول على أبسط حقوقهم وخدماتهم. هذا الوضع يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال ويغذي دور وسطاء الزبائنية. وفي سياق الجهود للحد من هذه الظاهرة، تضطلع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بدور متزايد في تحييد الوساطات المحلية التي كانت تؤثر بشكل كبير في نزاهة وشفافية العملية الانتخابية.
وتوجد بالفعل قوانين ونصوص تشريعية قائمة تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية والحد من هذه الممارسات، إلى جانب إرادة سياسية معلنة تهدف إلى تطهير الساحة السياسية من ترسبات العقدين الماضيين التي شهدت تغلغل هذه الظواهر. ومع ذلك، يظل العنصر الغائب والأكثر أهمية هو الوعي الجماعي بأن هذه الظاهرة لا تمثل مشكلة فردية أو محلية معزولة، بل هي قضية وطنية شاملة تؤثر في جوهر المشروع الجزائري ككل، وتهدد أسس وحدته وتطوره. إن مواجهة الزبائنية الجديدة تتطلب وعياً وطنياً شاملاً، ومشاركة فعالة من جميع أطياف المجتمع، وإعلاءً لقيم المواطنة والعدالة على حساب المصالح الضيقة.