اعتقل الصحفي المغربي الفرنسي علي لمرابط في مطار طنجة، حيث سُجن لاحقاً بتهم تتعلق بنشاطه الصحفي، مما أثار موجة من التساؤلات والانتقادات حول موقف كل من فرنسا وإسبانيا. هذه القضية، التي تتجاوز حدود سجن صحفي واحد، دفعت العديد من المراقبين إلى الدعوة لمقارنة التعامل مع حالة لمرابط بحالات صحفيين آخرين، خاصة في سياق يبرز فيه ما يوصف بازدواجية المعايير في قضايا حقوق الإنسان وحرية الإعلام.
تطرق الصحفي الإسباني البارز إجناسيو سيمبريرو إلى هذا الجدل المتنامي، متسائلاً عما إذا كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيبدي نفس الاهتمام بمصير لمرابط كما فعل مع الكاتب بوعلام صنصال عندما سُجن في الجزائر. هذا التساؤل لم يكن عابراً، بل جاء ليضع مقارنة مباشرة بين حالتين متشابهتين ظاهرياً، ولكنهما حظيتا بمعاملة مختلفة من قبل باريس. وأشار سيمبريرو إلى أن لمرابط مواطن فرنسي يقيم في برشلونة، كما أن زوجته وأطفاله يحملون الجنسية الإسبانية، ما يضفي أبعاداً دبلوماسية وإنسانية إضافية على القضية، ويضع الحكومتين الفرنسية والإسبانية أمام مسؤولية واضحة تجاه مواطن يحمل جنسيتهما أو له صلات وثيقة بهما.
صمت باريس تجاه انتهاكات المغرب: اتهامات بازدواجية المعايير
تجد باريس صعوبة بالغة في صياغة بيان واضح ومباشر يطالب بالإفراج عن الصحفي علي لمرابط من النظام المغربي، وفقاً لما أكده الصحفي الإسباني إجناسيو سيمبريرو. هذا الصمت الملحوظ يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة وأن فرنسا عادة ما تتخذ مواقف أكثر حزماً في قضايا مشابهة في دول أخرى. اتهم سيمبريرو السلطات الفرنسية بالصمت تجاه النظام المغربي وتفضيله على الجزائر فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وحرية الإعلام، مشيراً إلى نمط متكرر من التعامل الانتقائي مع هذه القضايا. وطرح تساؤلاً جوهرياً حول موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قائلاً: "هل سيبدي الرئيس (الفرنسي) إيمانويل ماكرون نفس الاهتمام بمصير الصحفي علي لمرابط، الذي سُجن في المغرب، كما أظهر اهتمامه بالكاتب بوعلام صنصال عندما سُجن في الجزائر؟" هذا السؤال يضع الرئيس ماكرون أمام محك المصداقية فيما يتعلق بالدفاع عن حقوق الصحفيين والمواطنين الفرنسيين في الخارج. وأشار سيمبريرو إلى أن "كلاهما مواطنان فرنسيان. صنصال من أصل جزائري، بينما لمرابط من أصل مغربي. في قصر الإليزيه بباريس، هناك عموماً تساهل أكبر تجاه الرباط مقارنة بالجزائر فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان". هذه الملاحظة تلقي الضوء على ما يراه كثيرون سياسة خارجية فرنسية تعتمد على المصالح الجيوسياسية أكثر من التمسك بمبادئ حقوق الإنسان العالمية.
ذكر سيمبريرو أن "اعتقال الصحفي المغربي علي لمرابط في المغرب تسبب في إحراج لفرنسا وإسبانيا. لمرابط مواطن فرنسي، لكنه يقيم في برشلونة، وزوجته وأطفاله إسبان"، مما يجعله شخصية ذات أبعاد متعددة الجنسيات ويضع البلدين أمام مسؤولية مشتركة. وتساءل سيمبريرو بتهكم: "هل ستبدي الحكومتان الفرنسية والإسبانية اهتماماً بمصيره؟ من غير المرجح أن يتخذ ليكورنو (Lecornu)، الذي سيسافر إلى الرباط يوم الأربعاء، أي إجراء". هذا التساؤل يعكس شكوكاً عميقة في جدية التعامل الفرنسي مع القضية. كما نوه سيمبريرو بأن السلطات الفرنسية قد تجاهلت المؤرخ الفرنسي المغربي المعطي منجب (Maati Monjib)، الذي يتعرض للمضايقات من قبل السلطات في الرباط، قائلاً: "باريس تجاهلت المؤرخ الفرنسي المغربي المعطي منجب، الذي يتعرض للمضايقات من قبل السلطات في الرباط". هذه الواقعة تضيف دليلاً آخر على النمط المزعوم لتجاهل باريس لقضايا حقوق الإنسان في المغرب.
أفاد سيمبريرو أن وسائل الإعلام الفرنسية، في تغطيتها لقضية لمرابط، اكتفت بتكرار برقية من وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) ولم تنقل بيان منظمة "مراسلون بلا حدود" الذي انتقد النظام المغربي بشدة. هذا التناول الإعلامي المحدود والمتحفظ يعكس، بحسب سيمبريرو، رغبة في عدم إثارة حفيظة الرباط. وأشار سيمبريرو إلى أن مدريد لم تُظهر أي اهتمام بسجين سياسي آخر، هو محمد زيان (Mohamed Ziane)، البالغ من العمر 83 عاماً، المولود في مالقة وهو ابن امرأة إسبانية، مما يعزز فكرة التجاهل الإسباني لقضايا حقوق الإنسان ذات الصلة بمواطنيها أو ذوي الأصول الإسبانية في المغرب. ورغم ذلك، أظهر لمرابط وزملاؤه قدرة ملحوظة على التعبئة في الماضي، مما يدل على استمرارية نضالهم من أجل حرية الصحافة. وبشأن موقف الحكومة الإسبانية، قال سيمبريرو: "انتشر الخبر مساء الأحد. يمكن تفسير هذا الموقف بناءً على ثلاث احتمالات: إما أن ألباريس (Albares) لا يقرأ الصحافة، أو أن السفارة الإسبانية في الرباط لم تبلغه، أو -وهو الأرجح- أنه لا يزال يتجاهل حقوق الإنسان في المغرب". وأكد سيمبريرو أن "ألباريس كان قد تخلى في السابق عن السجين السياسي محمد زيان (83 عاماً)، وهو مغربي وُلد في مالقة لأم إسبانية، والذي سيبقى في السجن حتى عام 2027"، مما يرسخ الانطباع بوجود نمط ثابت من التجاهل الإسباني.
مقارنات مع الجزائر وانتقادات إسبانية: تناقضات السياسة الخارجية
تأتي هذه المواقف الفرنسية والإسبانية على النقيض من الإجراءات الفرنسية في حالات مماثلة تتعلق بالجزائر، كما حدث مع الكاتب بوعلام صنصال والصحفي الفرنسي كريستوف جليز (Christophe Gleizes). في هذه الحالات، كانت باريس أكثر صراحة وحزماً في مطالبها. وفي سياق تسليط الضوء على هذه المقارنات، نشر الصحفي إجناسيو سيمبريرو صورة عبر حسابه على منصة X تُظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واقفًا بين بوعلام صنصال وعلي لمرابط، في إشارة رمزية إلى التباين في تعامل ماكرون مع كلتا الحالتين، رغم أن كلاهما مواطنان فرنسيان. هذه الصورة أثارت جدلاً واسعاً حول المعايير المزدوجة التي قد تتبعها الدبلوماسية الفرنسية.
على الصعيد الإسباني، أثار وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس جدلاً واسعاً عندما صرح بأنه لا يمتلك تفاصيل حول قضية علي لمرابط، وذلك عندما سُئل عنها مباشرة. وقد أثار هذا التصريح تساؤلات جدية حول مدى اهتمام مدريد بقضية الصحفي المغربي الفرنسي المقيم في برشلونة، خاصة وأن لمرابط له صلات وثيقة بإسبانيا من خلال إقامته وعائلته. هذا التجاهل المزعوم من قبل وزير الخارجية يعزز الشكوك حول التزام إسبانيا بالدفاع عن حقوق مواطنيها أو المقيمين على أراضيها في الخارج.
في سياق متصل، وجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون انتقادات لاذعة للنظام الغربي ككل، متهمًا إياه بتصوير المملكة المغربية كـ"واحة للحرية والديمقراطية"، وهو ما يعد إشارة واضحة إلى التباين في معايير التعامل مع قضايا حقوق الإنسان والإعلام بين الدول. وتأتي هذه التصريحات في ظل تزايد الجدل حول ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الصحفيين في المنطقة، حيث يبدو أن بعض الدول تحظى بمعاملة تفضيلية على حساب مبادئ حقوق الإنسان العالمية.
تدهور حرية الإعلام في المغرب: انتقادات للإعلام الأوروبي
انتقد الصحفي الإسباني إجناسيو سيمبريرو وسائل الإعلام الإسبانية، بما في ذلك صحيفة "إل باييس" (El País)، بسبب افتتاحية وصفها بأنها "غير موفقة" في تغطية قضية الصحفي علي لمرابط. واتهم سيمبريرو هذه الوسائل بتبييض صورة النظام المغربي، مشيرًا إلى أن المقاربة الإعلامية تجاه القضية كانت متحيزة وغير كافية لتعكس حقيقة الوضع على الأرض. هذه الانتقادات تأتي في سياق الجدل الأوسع حول حرية الصحافة في المغرب وكيفية تناولها من قبل الإعلام الأوروبي، الذي غالباً ما يتهم بالتحيز أو التجاهل المتعمد لانتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول.
وأشار سيمبريرو إلى غياب أي وسائل إعلامية في المغرب حالياً تنتقد السلطات بشكل مستقل، مما يعكس تدهوراً كبيراً في المشهد الإعلامي الحر. هذا الوضع يثير تساؤلات جدية حول استقلالية الصحافة وقدرتها على أداء دورها الرقابي في البلاد، خاصة في ظل القضايا الحساسة المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير. إن غياب الأصوات النقدية المستقلة يعني أن الرأي العام قد لا يطلع على الصورة الكاملة للوضع، مما يحد من المساءلة والشفافية.
وعلى النقيض من الوضع الراهن، ذكر سيمبريرو أنه عندما تولى الملك محمد السادس العرش عام 1999، كانت هناك وسائل إعلامية نشطة مثل "Le Journal" و"Assahifa" و"Demain" وغيرها، والتي كانت تمارس دوراً نقدياً مهماً تجاه السلطات. هذا التباين الصارخ يسلط الضوء على تراجع ملحوظ في الفضاء المتاح للإعلام المستقل خلال العقدين الماضيين، مما يشير إلى تدهور مستمر في حرية الصحافة.
جاءت الافتتاحية التي انتقدها سيمبريرو لتزعم أن النظام المغربي قد طوى صفحة القيود المفروضة على الصحافة، مستشهدة بقيام الملك بإصدار عفو قبل عامين عن عدد من الصحفيين المغاربة المسجونين. ومع ذلك، يرى سيمبريرو أن هذا الادعاء لا يتوافق مع الواقع الحالي لغياب الأصوات النقدية المستقلة واستمرار قضايا مثل سجن لمرابط، مما يشير إلى أن العفو قد يكون إجراءً تجميلياً لا يعكس تغييراً جوهرياً في سياسة النظام تجاه حرية الصحافة.