Helsinki's Vision Zero: A Model for Eliminating Road Deaths

الصورة عبر Elwatan

حققت هلسنكي اثني عشر شهراً متتالياً دون تسجيل أي وفيات على الطرق بين عامي 2024 و2025، مما يبرز نجاح جهودها في مجال السلامة المرورية. هذا الإنجاز لافت بشكل خاص بالنظر إلى أن هلسنكي (Helsinki) هي عاصمة يبلغ عدد سكانها 1.4 مليون نسمة. يُعد هذا الرقم إنجازاً استثنائياً لمدينة بهذا الحجم، حيث يشير إلى فعالية الاستراتيجيات المطبقة في حماية مستخدمي الطرق. وقد سلطت المنظمات الدولية الضوء على هذا السجل الخالٍ من الوفيات كنموذج رائد يمكن أن تتبعه المدن الكبرى الأخرى حول العالم، مؤكدة على إمكانية تحقيق مستويات عالية من السلامة المرورية حتى في البيئات الحضرية الكثيفة.

استراتيجية متكاملة لسلامة الطرق

نفذت هلسنكي استراتيجية متعددة الأوجه لتعزيز سلامة الطرق، تضمنت تخفيض حدود السرعة وإعادة تنظيم تخطيط الطرق. وقد شملت هذه الإجراءات تعميم حد أقصى للسرعة يبلغ 30 كيلومتراً في الساعة في جزء كبير من شوارعها، في خطوة تهدف إلى تقليل مخاطر الحوادث وإصابات المشاة وراكبي الدراجات. يُعد تخفيض حدود السرعة إحدى الأدوات الأساسية التي تبنتها المدينة، حيث أظهرت الدراسات أن السرعات المنخفضة تقلل بشكل كبير من احتمالية وقوع حوادث مميتة أو خطيرة، وتمنح السائقين وقتاً أطول للتفاعل مع الظروف المتغيرة على الطريق. كما استثمرت المدينة في تطوير نظام نقل عام فعال بهدف تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وتشجيع استخدام وسائل النقل المستدامة. يساهم هذا الاستثمار في تقليل عدد المركبات على الطرق، وبالتالي تخفيف الازدحام وتقليل فرص الاصطدامات.

تعتمد المدينة بشكل كبير على المراقبة الآلية لتطبيق قوانين السرعة. وتمتلك هلسنكي 70 كاميرا رصد سرعة أوتوماتيكية موزعة عبر شبكة طرقها، مما يساهم في ردع السائقين عن تجاوز السرعات المحددة ويعزز الامتثال لقواعد المرور. هذه الكاميرات تعمل على مدار الساعة، وتوفر مراقبة مستمرة، مما يجعل تطبيق القانون أكثر فعالية وكفاءة. وتشكل هذه الكاميرات جزءاً أساسياً من جهود المدينة لتحقيق رؤيتها للسلامة على الطرق، حيث تُعد أداة ردع قوية وتساهم في خلق ثقافة قيادة أكثر انضباطاً ووعياً بالسلامة.

تُظهر هذه الإجراءات نتائج ملموسة، خاصة عند مقارنتها بمدن أوروبية أخرى ذات كثافة سكانية وحركة مرور مماثلة. ففي فترة زمنية قابلة للمقارنة، سجلت باريس 31 وفاة على الطرق، في حين تمكنت هلسنكي من تحقيق اثني عشر شهراً متتالياً دون تسجيل أي وفيات على الطرق. يبرز هذا التباين فعالية النهج المتكامل الذي اتبعته العاصمة الفنلندية في سعيها لتحقيق "الرؤية الصفرية" لوفيات الطرق. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية الشاملة قدرتها على إحداث فرق كبير في سلامة مستخدمي الطرق، من خلال الجمع بين البنية التحتية المحسنة، والتشريعات الصارمة، والتكنولوجيا المتقدمة، وتشجيع أنماط النقل البديلة. هذه النتائج لا تعكس فقط انخفاضاً في عدد الوفيات، بل تشير أيضاً إلى تحسن شامل في جودة الحياة الحضرية، حيث يشعر السكان بمزيد من الأمان عند التنقل في شوارع مدينتهم.

الالتزام السياسي والهدف الطموح

يجمع النهج الفنلندي بين التخطيط الحضري المتكامل، وتقليل استخدام السيارات، وتطبيق الشرطة الصارم للقوانين، وتوفير نظام نقل عام فعال، وقبول سياسي لهدف جذري يتمثل في شوارع قابلة للعيش للجميع ولا تسبب وفيات لأي شخص. هذا الالتزام السياسي الراسخ هو حجر الزاوية في نجاح "الرؤية الصفرية" في هلسنكي. وقد بدأت هلسنكي في تحويل المساحات العامة بها بهدف القضاء على الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق قبل ما يقرب من أربعين عاماً، مما يدل على رؤية طويلة الأمد وتفانٍ مستمر في تحقيق هذا الهدف النبيل. هذا التاريخ الطويل من التخطيط والتنفيذ يوضح أن تحقيق "الرؤية الصفرية" يتطلب جهوداً متواصلة واستثمارات مستدامة.

وتحدد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والمنتدى الدولي للنقل (International Transport Forum) تخفيض السرعة، وفصل مسارات الحركة، وإعطاء الأولوية للمستخدمين الأكثر عرضة للخطر كأكثر الأدوات فعالية لتقليل الوفيات في المناطق الحضرية. تتوافق هذه التوصيات الدولية بشكل مباشر مع الإجراءات التي تبنتها هلسنكي، مما يعزز من مصداقية وفعالية نهجها. وتعد هذه الأدوات بمثابة ركائز أساسية لأي مدينة تسعى لتحقيق مستويات مماثلة من السلامة المرورية. وتهدف استراتيجية "الرؤية الصفرية" الأوروبية إلى خفض وفيات الطرق إلى ما يقارب الصفر بحلول عام 2050، وتُعد هلسنكي مثالاً يحتذى به في تحقيق هذا الهدف الطموح قبل الموعد المحدد بكثير.

الاستثمار في البنية التحتية للمشاة والدراجين

عززت هلسنكي (Helsinki) من إجراءات حماية المشاة وراكبي الدراجات في إطار سعيها لتحقيق أهداف "الرؤية الصفرية" لوفيات الطرق. وقد تركزت هذه الجهود على توفير بيئة أكثر أمانًا لمستخدمي الطرق الأكثر عرضة للخطر، من خلال تحسين البنية التحتية وتعديل تصاميم الطرق. تهدف هذه الإجراءات إلى تقليل الاحتكاك بين مختلف مستخدمي الطرق وتوفير مساحات آمنة ومخصصة لهم، مما يسهم بشكل مباشر في خفض معدلات الحوادث والإصابات. تُعد حماية المشاة وراكبي الدراجات أولوية قصوى، نظراً لضعفهم النسبي مقارنة بمركبات ذات المحركات.

كما استثمرت العاصمة الفنلندية في تطوير بنية تحتية متخصصة للمشاة وراكبي الدراجات، شملت إنشاء أنفاق في المناطق المركزية المزدحمة وجسور مخصصة لهم. وتعمل هذه المشاريع على فصل حركة المشاة والدراجات عن حركة مرور المركبات، مما يقلل من نقاط التضارب ويزيد من مستوى الأمان. هذه الحلول الهندسية المبتكرة تضمن تدفقاً سلساً وآمناً لجميع مستخدمي الطرق، وتقلل بشكل فعال من مخاطر الحوادث التي قد تنجم عن تقاطع المسارات. وتمثل هذه الاستثمارات جزءًا أساسيًا من استراتيجية المدينة الشاملة لتحويل الطرق لتكون أكثر ملاءمة لجميع مستخدميها، وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. من خلال توفير بنية تحتية جذابة وآمنة، تشجع هلسنكي المزيد من السكان على اختيار التنقل النشط كوسيلة رئيسية لحركتهم اليومية.

وفي هذا السياق، خصصت هلسنكي استثمارات كبيرة للبنية التحتية الخاصة بالدراجات والمشاة، حيث بلغت هذه الاستثمارات حوالي 35 مليون يورو خلال العام الماضي. تعكس هذه المبالغ الضخمة التزام المدينة الجاد بتحسين ظروف التنقل المستدام وتشجيع السكان على استخدام وسائل نقل صديقة للبيئة وأكثر صحة. يُظهر هذا المستوى من الاستثمار أن المدينة لا تكتفي بوضع الخطط، بل تخصص الموارد اللازمة لتحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس، مما يؤكد على جدية التزامها بتحقيق أهداف "الرؤية الصفرية". ويأتي هذا التمويل في إطار رؤية أوسع للمدينة تهدف إلى جعلها أكثر ملائمة للعيش وأكثر أمانًا للجميع، مع التركيز على الاستدامة البيئية والصحة العامة.

ويشكل هذا الاستثمار حوالي 13% من إجمالي ميزانية استثمارات النقل للمدينة، مما يبرز الأولوية التي توليها هلسنكي لتطوير وسائل النقل البديلة. ويظهر هذا التخصيص النسبي الكبير أن المدينة لا تكتفي بتحسين الطرق للمركبات فحسب، بل تعمل بشكل استباقي على توفير بدائل نقل مستدامة وفعالة. هذا التركيز على البنية التحتية للدراجات والمشاة يعكس فهماً عميقاً بأن المدن الحديثة يجب أن تكون مصممة لخدمة جميع أشكال التنقل، وليس فقط السيارات. وتساهم هذه الاستثمارات في بناء شبكة متكاملة من مسارات الدراجات والمشاة التي تدعم التنقل النشط وتقلل من الازدحام المروري والتلوث في المدينة، مما يعود بالنفع على البيئة وصحة السكان.

خطط مستقبلية وتقبل مجتمعي

في الوقت الذي صدر فيه التقرير، كانت هلسنكي قد حققت تسعة أشهر متتالية إضافية خالية من وفيات الطرق، مما يعمق سجلها في السلامة المرورية ويؤكد على استمرارية نجاح استراتيجياتها. هذا الإنجاز المتواصل يعزز من مكانة هلسنكي كمدينة رائدة عالمياً في مجال السلامة على الطرق. وتخطط المدينة لحظر السيارات الخاصة من الشوارع المزدحمة المحيطة بالمحطة المركزية اعتباراً من عام 2030، في خطوة تهدف إلى تعزيز بيئة حضرية أكثر أماناً واستدامة. هذا القرار الجريء يعكس التزام هلسنكي المستمر بتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وإعطاء الأولوية للنقل المستدام، مما سيساهم في تقليل التلوث الضوضائي والهوائي وتحسين جودة الحياة في قلب المدينة. وتستمر هلسنكي في الاعتماد على البنية التحتية التكنولوجية لدعم رؤيتها، حيث قامت بتركيب كاميرات آلية لمراقبة السرعة، مما يعكس التزامها المستمر بتطبيق لوائح المرور لضمان سلامة جميع مستخدمي الطرق. هذه الإجراءات المستقبلية تؤكد أن هلسنكي لا ترتكن إلى إنجازاتها الحالية، بل تسعى باستمرار لتطوير وتحسين بيئة النقل لتكون أكثر أماناً وكفاءة للجميع.